loading
المذكرة الإيضاحية

مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني الجزء : السادس، الصفحة : 31

مذكرة المشروع التمهيدي :

1- هذا نص جوهري في المشروع يقرر إلتزامات الجوار، فيجعلها التزامات قانونية وهي الآن إلتزامات لا مصدر لها إلا القضاء المصري، قررها مهتدياً في تقريرها بالشريعة الإسلامية، فقننها المشروع كما هي مقررة في القضاء المصري وفي الشريعة الإسلامية معاً، فأصبحت إلتزامات مستقرة ثابتة لها مصدر معروف هو نص القانون.

2- والمبدأ الأساسي الذي وضعه النص هو نهي المالك عن أن يغلو في إستعمال حقه إلى حد يضر بملك الجار فهناك إذن شرطان المسئولية المالك : ضرر يصيب الجار وغلو المالك في إستعمال حقه والمهم هو تحديد هذا الغلو، فقد تبين أن الحمل الضار بالجار لايوجب المسئولية حتماً، بل لابد أن يكون في العمل غلو من المالك في استعمال حقه.

3- وقد حددت الفقرة الثانية من النص معنى الغلو، ورسمت له معياراً مرناً لا قاعدة جامدة فالغلو يتصف به كل عمل يحدث ضرراً غير مألوف للجار، فالمعيار إذن هو الضرر غير المألوف ويجب التسامح فيما يحدثه الجيران بعضهم البعض من ضرر مألوف، وإلا غلت أيدي الملاك عن إستعمال حقوقهم أما إذا أحدث عمل المالك ضرراً غير مألوف بالجار، فإنه يصبح مسئولاً عن تعويض هذا الضرر .

وهذا ما تقضى به المادة 57 من کتاب مرشد الحيران إذ تنص على أن للمالك أن يتصرف كيف شاء في خالص ملكه الذي ليس للغير حق فيه، فيعلى حائطه، ويبني ما يريده، ما لم يكن تصرفه مضرة بالجار ضرراً فاحشاً .

فالضرر الفاحش هو الضرر غير المألوف، وقد عرفته المادة 59 من كتاب مرشد الحيران بما يأتي : « الضرر الفاحش ما يكون سبباً لوهن البناء أو هدمه أو يمنع الحوائج الأصلية أي المنافع المقصودة من البناء، وأما ما يمنع المنافع التي ليست من الحوائج الأصلية فليس بضرر فاحش ونصت المادة 60 على أنه " يزال الضرر الفاحش سواء كان قديماً أو حادثاً ".

وقد قضت المادة 1169 فقرة 2 بأنه يراعى في تحديد الضرر غير المألوف إعتبارات مختلفة منها :

(1) العرف .

(ب) وطبيعة العقارات .

(ج) وموقع كل منها بالنسبة للأخر .

(د) والغرض الذي خصصت له فمن ذلك يتبين أن ما يعتبر ضرراً مألوفاً في ناحية مكتظة بالمصانع والمقاهي والمحلات العامة، يعتبر ضرراً غير مألوف في ناحية هادئة خصصت للساكن دون غيرها وسكني العلية من الناس فإذا فتح محل مقلق للراحة في وسط هذه المساكن الهادئة، كان في هذا ضرر غير مألوف تجب إزالته، ولا يحول دون ذلك الترخيص الإداري الذي يعطي لهذا المحل، وقد جرى القضاء المصري على ذلك أما إذا كان المحل المقلق للراحة هو القديم، وقد وجد في ناحية مناسبة له، ثم استحدث بعد ذلك بجواره بناءً للسكني الهادئة، فليس لصاحب هذا البناء أن يتضرر من مجاورة المحل المقلق للراحة، بل هو الذي يلزمه دفع الضرر عن نفسه وقد أورد مرشد الحيران أمثلة للضرر الفاحش مستحدثة وقديمه، تتفق مع ما جرى عليه القضاء المصري فنصت المادة 61 على أن سد الضياء بالكلية على الجار يعد ضرراً فاحشاً، فلا يسوغ لأحد إحداث بناءً يسد به شباك بيت جاره سداً يمنع الضوء عنه، وإن فعل ذلك فلجار أن يكلفه رفع البناء دفعاً للضرر عنه، ونصت المادة 62 على أن «رؤية المحل الذي هو مقر للنساء يعد ضرراً فاحشاً، فلا يسوغ إحداث شباك أو بناء يجعل فيه شباكاً للنظر مطلاً على محل نساء جاره، وإن أحدث ذلك يؤمر برفع الضرر إما بسد الشباك أو ببناء ساتر، فإن كان الشباك المحدث مرتفعاً فوق قامة الإنسان فليس للجار طلب سده ونصت المادة 63 على أنه " إن كان لأحد دار يتصرف فيها تصرفاً مشروعاً، فأحدث غيره بجواره بناءً مجدداً، فليس للمحدث أن يتضرر من شبابيك الدار القديمة ولو كانت مطلة على مقر نسائه، بل هو الذي يلزمه دفع الضرر عن نفسه ".

وغني عن البيان أن إزالة الضرر قد تكون عيناً أو من طريق التعويض حسب الأحوال.


4 - ولم يكتف المشروع بالنص على وجوب إزالة الضرر غير المألوف بعد وقوعه، بل نص على جواز المطالبة بمنعه قبل وقوعه، فإن الوقاية خير من العلاج وللمالك المهدد بضرر يصيبه من جراء أعمال للجار، لو تمت تحقق هذا الضرر، أن يلزم الجار في قضية مستعجلة باتخاذ الاحتياطات الكافية، بل له أن يطلب وقف هذه الأعمال حتى تفصل محكمة الموضوع في النزاع ( أنظر م 1413 من المشروع ).

 

الأحكام

1 ـ المناط فى تحقق مسئولية الجار هو قيام الدليل على أن المضار غير المألوفة التى حاقت بجاره ناجمة عن مباشرة الأول لسلطات وعناصر حق الملكية أو الانتفاع أو الإجارة أو أى حق آخر ولو لم يلامسها شيء من التقصير فى جانبه , ذلك أن نص المادة 807 من القانون المدنى واضح جلى المعنى قاطعاً فى دلالته على أن المسئولية الناشئة عن مضار الجوار غير المألوفة يكفى لتحققها ثبوت هذه المضار .

(الطعن رقم 6302 لسنة 74 جلسة 2014/06/02)

2 ـ المقرر- وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة _ أنه يتعين على محكمة الموضوع أن تكيف الدعوى بما تتبينه من وقائعها وأن تنزل عليها وصفتها الصحيح فى القانون لما كان ذلك وكان البين من سائر أوراق الدعوى أن حقيقة مطلب الطاعن فيها هو منع الضرر الناجم من جراء إقامة المطعون ضدهما بتعلية عقارهما بما من شأنه كشف منزله وجعله لأبصارهما بما يخضع هذا الطلب لأحكام المادة 807 من القانون المدنى وكان الحكم المطعون فيه لم يأخذ بهذا التكييف السليم، وبنى قضاءه برفض الدعوى وفقا لأحكام المادة1/818من ذات القانون على أساس التكييف المستمد من ظاهر طلب الطاعن الذى قصره على إلزام المطعون ضدهما ببناء الحائط الساتر لمنزله لمنع الضرر المقول به، فإن الحكم المطعون فيه يكون بجانب مخالفته القانون والخطأ فى تطبيقه قد تحجب عن تناول وفحص ما تمسك به من قيام ضرر وقع على منزله 00000. ولم يقل كلمته بشان هذا الضرر.

(الطعن رقم 1164 لسنة 60 جلسة 1994/12/21 س 45 ع 2 ص 1636 ق 306)

3 ـ مفاد النص فى المادتين 1/2، 4/1من القانون رقم 63 لسنة 1974 بشأن منشآت قطاع الكهرباء يدل على أن المشرع وإن كان قد ألزم ملاك العقار أو واضعى اليد عليه بأن يتحملوا مرور أسلاك الخطوط الهوائية أو الكابلات الأرضية المعدة للإنارة العامة أو لنقل وتوزيع القوى الكهربائية وقبول تنفيذ جميع الأعمال اللازمة لوضع أو صيانة هذه الأسلاك أو الكابلات ، إلا أن ذلك مرهون بقبولهم وعدم اعتراضهم على تنفيذ تلك الأعمال فإذا ما اعترضوا كتابةً على ذلك فلا يجوز وضعها إلا بمقتضى قرار يصدر من وزير الكهرباء .

(الطعن رقم 7975 لسنة 63 جلسة 2006/04/11 س 57 ص 329 ق 68)

شرح خبراء القانون

تنص المادة 807 مدني على ما يأتي .

1 - على المالك ألا يغلو في إستعمال حقه إلى حد يضر بملك الجار ".

2 - وليس للجار أن يرجع على جاره في مضار الجوار المألوف التي لا يمكن تجنبها، وإنما له أن يطلب إزالة هذه المضار إذا تجاوزت الحد المألوف، على أن يراعي في ذلك العرف، وطبيعة العقارات، وموقع كل منها بالنسبة إلى الآخر، والغرض الذي خصصت له ولا يحول الترخيص الصادر من الجهات المختصة دون استعمال هذا الحق.

والنص كما نرى يعرض مضار الجوار غير المألوفة، ويوجب مسئولية المالك عنها ومن هنا كان إلتزام المالك بألا يحدث ضرراً غير مألوف لجاره قيداً يرد على حق الملكية، وهو أقرب إلى أن يكون التزاماً عينياً لأنه يرافق الملك وينتقل معه أين ذهب وقد لا يرتكب المالك مخالفة للقوانين واللوائح إذا وجدت، ومع ذلك قد يرتكب خطأ تقصيرياً في إستعمال لملكه، وذلك بأن ينحرف في هذا الاستعمال عن سلوك الشخص المعتاد فإذا تسبب عن هذا الإنحراف أن أضر بجاره، فإنه يكون مسئولاً مسئولية تقصيرية في حدود القواعد العامة .

يتحقق التعسف في استعمال حق الملكية، كالتعسف في استعمال أي حق آخر، في صور ثلاث نصت عليها المادة 5 مدني إذ تقول :

" يكون استعمال الحق غير مشروع في الأحوال الآتية " :

(أ) إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير .

(ب) إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب البتة مع ما يصيب الغير من ضرر يسببها .

(جـ) إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها غير مشروعة .

والآن نفرض أن المالك قد أضر بجاره وهو استعمل حق ملكيته ولكنه في هذا الاستعمال لم يرتكب أي خطأ فلم يخالف القوانين واللوائح، ولم ينحرف عن السلوك المألوف للشخص المعتاد ولم يفرض القانون خطأ في جانبه، وبذلك نكون قد ابتعدنا عن الحالة الأولي من الحالتين السابقتين، حالة الخطأ في استعمال حق الملكية كذلك يثبت أن المالك، وهو يستعمل حق ملكيته، لم يتعسف في استعمال حقه، فلا هو قصد الإضرار بالجار، ولا كان للجار مصلحة ترجح رجحانا كبيراً على مصلحته، ولم يهدف المالك في إستعمال حق ملكيته إلى تحقيق غرض غير مشروع وبذلك نكون قد ابتعدنا أيضاً عن الحالة الثانية من الحالتين السابقتين، حالة التعسف في استعمال حق الملكية.

ومع ذلك فإن المالك، وهو ستعمل حق ملكيته، قد أضر بجاره فهل يكون مسئولاً مع أنه لم يرتكب خطأ ولم يتعسف في استعمال حقه ؟ تجنيب الفقرة الثانية من المادة 807 مدني كما رأينا " ليس للجار أن يرجع على جاره في مضار الجوار المألوف التي لا يمكن تجنبها، وإنما له أن يطلب إزالة هذه المضار إذا تجاوزت الحد المألوف " ومن ثم نرى أن المالك لا يكون مسئولاً إلا إذا كان الضرر الذي أصاب الجار قد تجاوز الحد المألوف انظر المادة 906 مدني ألماني والمادتين 684 – 685 مدني سويسر، أما إذا لم يتجاوز هذه الحد وبقى في نطاق الضرر المألوف الذي لا يمكن تجنبه ما بين الجيران فهو غير مسئول أوبري ورو 2 فقرة 194 ص 282 – ص 283 - وص 286 – ص 287 - بودري وشوفو فقرة 318 - بلانيول وربير وبولانجيه 1 فقرة 3059 فمسئولية المالك إذن تكون عن الضرر غير المألوف للجوار، أي عن الضرر الفاحش الذي يصيب الجار أما في فرنسا، فلا يوجد نص تشريعي كنص المادة 807 مدني مصري، وتقرير مسؤولية المالك عن مضار الجوار غير المألوف كان من عمل القضاء الفرنسي، وقد اقتضت ذلك منه التطورات الاقتصادية التي حدثت بعد صدور التقنين المدني الفرنسي في سنة في سنة 1804 ( انظر بلانيول وريبر وبيكار 3 فقرة 460 ) ويتبين في وضوح الفرق ما بين حالة مضار الجوار غير المألوف وحالتي الخطأ في استعمال حق الملكية والتعسف في استعمال هذا الحق ففي حالة الخطأ في استعمال حق الملكية يكون هناك خطأ، ثابت أو مفترض، في جانب المالك، ولذلك يعوض المالك عن الضرر مهما كان ضئيلاً وفي حالة التعسف في إستعمال حق الملكية، يكون هناك إما قصد المالك الإضرار بالجار أو رجحان مصلحة الجار رجحاناً كبيراً أو قصد المالك تحقيق مصلحة غير مشروعة، ولذلك يعوض المالك هنا أيضاً عن الضرر مهما كان ضئيلاً أما في حالة مضار الجوار غير المألوفة وهي الحالة التي نحن بصددها، فلا يكون هناك أي خطأ في جانب المالك، ولا يكون المالك متعسفاً في استعمال حق ملكيته، فهو لم ينحرف عن السلوك المألوف للشخص المعتاد لا خروجاً عن حدود حق الملكية ولا تعسفاً في استعمالها، بل كل ما هنالك هو أن إستعمال المالك لحق ملكيته أضر بالجار، ولذلك لا يعوض المالك جاره عن الضرر إلا إذا كان ضرراً غير مألوف أي ضرراً فاحشاً، ولا يعوض عن الضرر المألوف أي الضرر الذي لا يمكن تجنبه بين الجيران .

اعتبارات مختلفة في تقدير الضرر غير المألوف : الضرر غير المألوف هو كما قدمنا الضرر الذي يزيد على الحد المعهود فيما يتحمله الجيران عادة بعضهم من بعض بحكم الجوار فإذا زاد الضرر على هذا الحد، كان ضرراً غير مألوف، ووجب التعويض عنه وتقول الفقرة الثانية من المادة 807 مدني، كما رأينا في هذا الشأن : " وإنما له (الجار) أن يطلب إزالة هذه المضار إذا تجاوزت الحد المألوف، على أن يراعى في ذلك العرف .

وطبيعة العقارات، وموقع كل منها بالنسبة إلى الآخر، والغرض الذي خصصت له " وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد " وقد قضت المادة … بأنه يراعي تحديد الضرر غير المألوف إعتبارات مختلفة :

(أ) العرف .

(ب) وطبيعة العقارات .

(ج) وموقع كل منهما بالنسبة إلى الآخر.

(د) والغرض الذي خصصت له.

فمن ذلك يتبين أن ما يعتبر ضرراً مألوفاً في ناحية مكتظة بالمصانع والمقاهي والمحلات العامة، يعتبر ضرراً غير مألوف من ناحية هادئة خصصت للمساكن دون غيرها وسكنى العلية من الناس فإذا فتح محل مقلق للراحة في وسط المساكن الهادئة، كان في هذا ضرر غير مألوف تجب إزالته .(الوسيط في شرح القانون المصري للدكتور/ عبد الرازق السنهوري، الطبعة الثانية بتنقيح الدكتور/ مصطفى الفقي، دار النهضة العربية 1994 الجزء : الثامن، الصفحة : 907)

المسؤولية عن مضار الجوار غير المألوفة :

أوردت المادة 807 قيداً جديداً على إستعمال حق الملكية، مناط الضرر غير المألوف الذي يسببه هذا الإستعمال للجيران، وهو قيد لا يندرج تحت أحدى الحالات الثلاث المنصوص عليها في المادة الخامسة من القانون المدني - على خلاف في الرأي .

وأساس للمسئولية، هو الخطأ التقصيري، الذي يؤدي إلى إحداث ضرر غیر صالوق، وأقام الشرع قرينة قانونية قاطعة على توافر هذا الخطأ بمجرد توافر الضرر غير المألوف، وحصر الاثبات في هذا الضرر والقى العبء على المدعى، مفاد قالك انتفاء الخطأ إذا كان الضرر مألوفاً، وتوافره إذا كان الضرر غير مألوف، وبالتالي فإن الخطأ يستخلص باستخلاص الضرر غير المألوف، وكل من الاستخلاصين، هو من مسائل الواقع التي يستقل بتقديرها قاضي الموضوع متى أقام قضاءه، على أسباب سائغة تكفي لحمله.(المطول في شرح القانون المدني، المستشار/ أنور طلبة، المكتب الجامعي الحديث، الجزء : الحادي عشر، الصفحة : 239)

يسأل الملك عن الأضرار التي تصيب الجيران بسبب إستعمال ملكه طبقاً للقواعد العامة، وذلك إستناداً إلى ما يأتي :

1- مخالفة القوانين واللوائح.

2- حالة مجاوزة الحدود الموضوعية لحق الملكية.

3- التعسف في استعمال حق الملكية.

وسنرى أن المادة (807) مدنی فرضت نوعاً رابعاً من المسئولية هي مسئولية خاصة إذ أوردت قيداً جديداً على أستعمال حق الملكية دعت إليه ظروف الجماعة.

ونعرض لصور المسئولية العامة بالتفصيل فيما يلي :

أولاً : مخالفة القوانين واللوائح

نصت الفقرة الأولى من المادة 806 صراحة على أنه على المالك أن يراعى في استعمال حقه ما تقضي به القوانين والمراسيم واللوائح المتعلقة بالمصلحة العامة أو بالمصلحة الخاصة وهذه النص أثر لكون الملكية ليست حقاً مطلقاً، وإنما حق مقيد بالتفصيل التي ذكرنا سلفاً فإذا خالف المالك ما توجبه القوانين واللوائح والقرارات، وترتب على خطئه ضرر بالجار، كان مسئولاً عن هذا الخطأ طبقاً لقواعد المسئولية التقصيرية.

فإذا أدار المالك محلاً مقلقاً للراحة أو مضراً بالصحة دون أن يحصل على ترخيص بإدارته ودون أن يراعي الإشتراطات التي أوجبتها اللوائح في هذا الشأن، فإنه يكون قد إرتكب خطأ فإذا سبب هذا الخطأ ضرراً للغير كان ملزماً وكذلك إذا أقام المالك آلة بخارية بدون ترخيص وخالف الإشتراطات التي تتطلبها القوانين.

إذا تجاوز المالك الحدود الموضوعية لحقه، كان مرتكباً خطأ يستوجب مسئوليته التقصيرية ومثال ذلك أن يجاوز المالك حدود ملكه فيبني في أرض الجار، أو يفتح مطلاً في المسافة الممنوعة قانوناً، أو يترك المياه تسيل من مصنعه إلى ملك الجار فيصيبه بتلف.

وقد تتحقق مسئولية المالك في هذه الصورة بناء على خطئه الشخصي كما قد تتحقق باعتباره حارساً، ذلك إما بناءً على خطأ مفروض كما هي الحال في مسئولية حارس البناء (م 177 مدنی)، أو بناء على فكرة التضامن الإجتماعي كما هي الحال في مسئولية حارس الحيوان (م 176 مدنی ) ومسئولية حارس الآلات الميكانيكية وغيرها من الأشياء التي تتطلب حراستها عناية خاصة (م 178 مدنی).

ثالثاً : التعسف في استعمال حق الملكية :

يتحقق التعسف في استعمال حق الملكية - كالتعسف في استعمال أي حق آخر - إذا استعمل المالك حقه استعمالاً غير مشروع، وفقاً لأحد المعايير المنصوص عليها في المادة الخامسة من القانون المدني التي تجري على أن :

يكون استعمال الحق غير مشروع في الأحوال الآتية :

(أ) إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير.

(ب) إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها قليلة الأهمية، بحيث لا تتناسب البتة مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها.

(ج) إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها غير مشروعة ".

ونعرض لهذه الصور الثلاث فيما يأتي :

(أ) تمحض قصد الإضرار بالغير :

هذا المعيار هو أقدم معايير التعسف، وأكثرها شيوعاً في الشرائع الحديثة، لأنه كثيراً ما يسخر المالك حقه لمجرد تحقيق مآرب شخصية في النكاية بغيره والإضرار به.

وقد عبرت المادة الخامسة عنه بأنه : " إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير" .

وهذا المعيار ذاتي يقوم على توافر نية الإضرار بالغير لدى المالك، وأن تتمحض نيته لهذا الغرض، فلا يكفي لوجود هذا المعيار وجود قصد الإضرار عند المالك، إذا لم يكن هو قصده الوحيد ويستفاد ذلك من كلمة (سوی) التي عبر عنها المشرع عن انحصار المعيار في نية الإضرار.

ويترتب على ذلك أن هذا المعيار لا يتحقق إذا كان المالك، في الوقت ذاته قصد آخر من إستعمال حقه، كما لو قصد تحقيق مصلحة شخصية.

ومن أمثلة ذلك :

1- أن يبني شخص حائطاً عالياً في ملكه لكي يحجب النور والهواء عن جاره.

أما إذا أقام الحائط ليستتر من أن يطل الجار عليه أو على حديقة منزله، فإن المعيار لا يتحقق .

2- المالك الذي يحدث ضجة شديدة عند مزاولة جاره الصيد، لإشاعة الذعر في الحيوانات وتنفيذها.

3- المالك الذي يقيم سياجاً يطليه باللون الأسود، لا لشئ إلا لمجرد تعتيم بناءً جاره دون أن تعود عليه أية فائدة.

4 - المالك الذي يقيم مدخنة على ارتفاع عال، وهو لا يبغي من وراء ذلك أية فائدة شخصية، وإنما تحدوه إلى ذلك رغبة شريرة في حجب النور عن جاره.

ومادام أن الغرض الأساسي من استعمال الحق هو الإضرار بالغير فلا يعتبر من الوصف التعسفي لهذا الإستعمال ما قد يترتب للمالك من منفعة عارضة غير مقصودة فلو أن شخصاً غرس أشجاراً في أرضه بقصد حجب النور عن جاره، كان متعسفاً في إستعمال حق الملكية، ولو تبين فيما بعد أن هذه الأشجار قد عادت على الأرض بالنفع.

وإذا كان إثبات تمحض نية الإضرار أمراً متعسراً، فإن القضاء غالباً ما يعول في استخلاصها على انعدام المصلحة لدى المالك من استعمال ملكه أو تفاهة المصلحة التي تعود على المالك، معتبراً انعدام المصلحة أو تفاهتها قرينة على أن المالك لم يقصد سوى الإضرار بالغير.

(ب) - رجحان الضرر على المصلحة رجحاناً كبيراً :

عبرت المادة الخامسة عن هذا المعيار بقولها :

"إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب البتة مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها".

فمقتضى هذا المعيار لا يكفي أن تكون للمالك منفعة في استعمال ملكه وإنما يتعين أن تكون منفعة ذات شأن، تسوغ ما قد يحيق بالغير من ضرر من جراء إستعماله أما إذا كانت المنفعة تافهة بالنسبة إلى الضرر الذي يلحق بالغير، بحيث لا يوجد بينهما تتناسب البتة، فعندئذ يعد المالك أنه قد انحرف في استعمال ملكه.

وظاهر أن هذا المعيار ليس ذاتياً كالمعيار السابق، وإنما هو معيار موضوعي، يقوم على التفاوت الكبير بين الضرر اللاحق بالغير، والمنفعة العائدة على المالك فإذا كانت المصلحة دون الضرر بدرجة صارخة كان استعمال الحق في هذه الحالة انحراف عن السلوك المألوف للشخص العادي فتتحقق المسئولية والمحكمة هي التي تقدر حسب الظروف توافر هذا المعيار عبرت المادة الخامسة من التقنين المدني عن هذا المعيار بقولها : "إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها غير مشروعة".

ومقتضى هذا المعيار أن تكون المصالح التي يقصد المالك تحقيقها غير مشروعة، فالمالك في هذه الصورة ينحرف عن الصراط المشروع ويسخر ملكة لتحقيق مصالح غير مشروعة والمعيار هنا موضوعي، وإن كان يستدل عليه بناحية شخصية هي القصد من استعمال الحق.

ومثال ذلك أن يحيط المالك أرضه بأعمدة عالية مبدية بأسلاك شائكة، بغية مضايقة شركة الطيران التي تملك المطار المجاور له يحملها على شراء أرضه بثمن مرتفع لكي تبعد عن طائرتها خطر الهبوط.

ومثال ذلك أيضاً أن يخصص المالك منزله لمقابلات مخالفة للآداب، أو التعاطي المخدرات مضار الجوار غير المألوفة التي ترتب مسؤولية الجار، لا ترجع كما فی الحالات الثلاث السابقة، إلى مخالفة القوانين واللوائح أو مجاوزة الحدود الموضوعية لحق الملكية أو التعسف في إستعمال حق الملكية ولكنه تنظیم خاص مستقل لعلاقات الجوار، فهي مسئولية يمليها التضامن الاجتماعي بين الجيران ذلك أن الملاك المتجاورين يكونون مجموعة لها قوانينها التي يقضي بها العرف، فمن يخرج على هذه القوانين في إستعمال ملكه يلتزم بتعويض الضرر الفاحش الذي ينجم عن هذا الاستعمال وأساس هذه المسئولية هو القانون ( م 807/2 مدنى ).

والنص المشار إليه نص مستحدث لم يكن له نظير في القانون القديم وإن أخذ القضاء في ظله بهذه النظرية مهتدياً في تقريرها بالشريعة الإسلامية فالمالك لا يسأل أياً كان الضرر، فلو سئل المالك عن أي ضرر يلحق جاره بسبب استعماله لحقه، لأصبح الملاك في حرج شديد، إذ لا يأمن الملاك، مهما بلغ حرص كل منهم في استعماله لحقه، من أن يترتب على هذا الاستعمال قدر من الضرر للجيران ولرفع هذا الحرج يجب أن يتحمل كل منهم قدراً معيناً من الأضرار التي يفرضها الجوار ويمكن التسامح فيها، وهي التي تسمى بمضار الجوار المألوفة"، وقد وصفها المشرع وصفاً يساعد القاضي في إعمال المعيار المرن الذي وصفه وذلك بقوله " التي لا يمكن تجنبها " .

ومن هذا يتضح أن غلو المالك في استعمال حقه، وهو الذي يرتب مسئولية، ينظر إليه من خلال الضرر الذى يترتب على هذا الاستعمال، بحيث لا يمكن الحكم في مسألة تحقق أو عدم تحقق الغلو إلا بالنظر الى الضرر وذلك على خلاف المسؤولية المبنية على الخطأ وفقاً للقواعد العامة حيث لا يعتمد البحث في توافر ركن الخطأ على ركن الضرر ومفاد هذا أن معيار الضرر غير المألوف، معیار مرن، وليس بقاعدة جامدة، فيتكيف مع الظروف المختلفة، ويواجه الحاجات المتغايرة، ويستجيب المقتضيات كل منها.

وهو معیار موضوعی لا معیار ذاتی فالمشرع في المادة 807/2 إذ ينص على الإعتبارات التي يجب مراعاتها عند تقرير ما إذا كانت مضار الجوار مألوفة أم غير مألوفة، ولا يشير إلى شخص من وقع عليه الضرر أو إلى العقار الذي تملكه ذلك الجار وحده بل هو يشير إلى كافة العقارات المحيطة بعقارات المالك الذي تراد مساءلته فإنه أخذاً بذلك لا يكون ثمة إعتبار لحالة الجار الذاتية كأن يكون الجار مريضاً أو مشغولاً بأعمال تقتضي الهدوء التام فينزعج لأية حركة ولو كانت مألوفة وإنما العبرة بحالة الشخص المعتاد، وهو شخص من أوساط الناس يزعجه ما يزعج الناس عادة ويتحمل ما جرى العرف بتحمله فيما بين الجيران.

وما وضعه المشرع من معايير للضرر غير المألوف هو ما يسمح بمواجهة كافة الظروف ومسايرة التطور وما يستحدثه التقدم الصناعي في المستقبل من صور جديدة للمضار.

ولا عبرة بكون المدعى عليه في دعوى المسئولية هو منشئ الاستعمال الضار بالجار، بأن يكون هو منشئ المصنع المقلق للراحة أو الضار بالصحة أو أنه قد تلقاه بحالته الراهنة عن سلفه.

إنما يجب أن يثبت على أي حال أن ما أصاب المدعي من ضرر، كان نتيجة لإستعمال المدعى عليه لملكه بالذات فلا يصح الحكم على شخص بالمسئولية عن ضرر لا ينفرد هو بإحداثه، بل يشترك معه في ذلك ملاك آخرون، ولذلك قضت المحاكم بعدم مسئولية المالك عن الدخان أو الضوضاء المنبعث من ملكه، إذا ثبت أن مثل هذا الدخان أو تلك الضوضاء يمكن نسيته إلى جيران آخرين .

فإذا ثبت أن المدعى عليه قد تفرد بإحداث الضرر، أمكن الحكم بمسئوليته بصرف النظر عن طبيعة هذا الضرر معايير الضرر غير المألوف المنصوص عليها بالمادة.

العرف :

ليس العرف المقصود هنا هو العرف كمصدر للقاعدة القانونية، بل يقصد به العادات والتقاليد التي ألفها الناس في حياتهم وهو أمر يختلف فيه الريف عن المدن والأحياء الشعبية عن الأحياء الراقية والأحياء التجارية والصناعية عن الأحياء السكنية.

ومثال ذلك أن يخرج المالك عن داره في وقت مبكر أو يرجع إليها في وقت متأخر، فيحدث حركة محسوسة بسيارته، أو يكثر الجلب وإستعمال مكبرات الصوت في مناسبات الأفراح أو الحفلات أو المآتم وعند السفر إلى الحج مما يحدث بعض الضوضاء والصخب.

وقد يكون مألوفاً في استعمال الحق الإحتفال ليلة واحدة بالزفاف، ولكنه غير مألوف أن تستمر الاحتفالات بمكبرات الصوت لعشر ليال متواصلة.

فكل هذه أضرار مألوفة، لا يمكن تجنبها وعلى الجيران أن يتحملوها.

طبيعة العقارات :

فالضرر الذي يصيب الجار من الدخان أو الضوضاء نتيجة وجود مصنع أو مقهى في ملك الجار قد يعتبر مألوفاً في ناحية مكتظة بالمصانع والمقاهي والمحلات العامة، ويعتبر ضرراً غير مألوف في ناحية هادئة خصصت للمساكن دون غيرها.

فإذا أنشأت الحكومة محطة من محطات المجاري على قطعة أرض من أملاكها أقلقت إدارتها راحة السكان في حي مخصص للسكني، كان لهؤلاء السكان الحق في الرجوع على الحكومة بالتعويض عما أصابهم وأصاب أملاكهم من ضرر.

وشركة الفنادق التي تقيم جهازاً لتوليد الكهرباء في ملحق فندق تملكه تكون مسؤولة عن الأضرار التي تصيب الجيران نتيجة الإهتزازات المستمرة الناشئة عن تشغيل هذا الجهاز .

موقع كل من العقارات بالنسبة للآخر:

فصاحب السفل يجب بطبيعة موقعه من العلو، أن يتحمل من العلو ما لا يتحمل العلو من السفل والعقار الذي يجاور الطريق العام أو السكك الحديدية أو المصانع يتعود من الضوضاء ما يزعج العقار الموجود في مواقع نائية عن ذلك والعقارات الواقعة في أحياء للعمال يتحمل بعضها من بعض ما لا تحتمله العقارات الواقعة في الأحياء الراقية فما يكون ضرراً مألوفاً بالنسبة إلى أحياء العمال قد يكون ضرراً غير مألوف بالنسبة إلى الأحياء الراقية.

الغرض الذي خصص له العقار:

العقار الذي يخصص لإقامة مستشفى أو مدرسة قد يفرض مراعاة الجيران القدر من السكون والهدوء أو الأمن بالنسبة لأطفال المدرسة كما أن تخصيص عقار لدبغ الجلود يقتضي تحمل الروائح الكريهة التي تصدر منه ولكن التخصيص المؤثر ليس هو التخصيص الفردي لنشاط معين، وإنما هو التخصيص المنتشر الذي يعطي للحي أو المكان طابعاً عاماً يجعل من المألوف تحمل مضاره.

ويتحقق الضرر الفاحش من باب أولى بصفة عامة إذا جاوزت المضايقة حد إقلاق الراحة إلى الإضرار بالصحة، كمن ينشئ مصحة للسل فى منزل عادي تحيط به المساكن، أو يختزن مواداً قابلة للالتهاب دون اتخاذ الإحتياطات الكفيلة بمنع مخاطر الحريق أو إذا تلفت زراعة الجار بسبب ما ينبعث من ملك جاره من أتربة أو نحوها من المواد المتلفة للزرع.

غالباً ما يكون الإستعمال الذي قام به المالك، وأفضى إلى الإضرار بالجار، مقروناً بترخيص من الجهة الإدارية المختصة، كما هي الحال في شأن المحال الخطرة أو المضرة بالصحة أو المقلقة للراحة.

والمسلم أن الترخيص لا يرفع مسئولية المالك عن الأضرار الفاحشة التي يلحقها بالجار، ذلك أن الترخيص هو مجرد تدبير وقائي هدفه التحقق من توافر الشروط المتطلبة قانوناً حماية للمصلحة العامة فحسب، أما مصلحة الجيران فعلى المالك مراعاتها من تلقاء نفسه، ومن ثم لا شأن لهذا الترخيص بحقوق الغير فيما إذا أصابه ضرر.

كما أن حكم القاضي بإزالة الضرر لا شأن له بالقرار الإداري الصادر بالترخيص، فهو يقضي بتعويض الغير عن الضرر الذي أصابه فالقاضي يباشر إختصاصه في مجال منفصل تماماً عن مجال القرار الإداري.

وقد نصت المادة صراحة على أن :

ولا يحول الترخيص الصادر من الجهات المختصة دون استعمال هذا الحق .

فقد أعطى النص للجار الحق في أن يطلب إزالة مضار الجوار غير المألوفة لأن إلتزام المالك في ألا يغلو في إستعمال حقه إلى حد يلحق بالجار ضرراً غير مألوف هو التزام بالامتناع عن عمل فإذا أخل المالك بهذا الإلتزام كان للجار أن يطالب بإزالة الضرر أو التعويض وتعد إزالة الضرر بمثابة التنفيذ العيني، ويأخذ هذا التنفيذ صوراً مختلفة حسب ظروف كل حالة فهو يتدرج من الأمر بتعديل طريقة الإستغلال إلى الأمر بتحديده زماناً ومكاناً إلی الحكم بوقف جزء منه، إلى الحكم بإزالته كلياً .

فقد يحكم القاضي بتعديل حالة الشيء مصدر الضرر كتوجيه فوهة المدخنة إلى اتجاه آخر أو نقلها من مكانها إلى مكان آخر، وقد يحكم بإلزام المالك بالامتناع عن استعمال ملكه في وقت معين كوقف الآلة في الليل ليتسنى للجار النوم وقد يحكم القاضي بإزالة مصدر الضرر نهائياً كهدم مدخنة أو إغلاق مصنع.

والواقع أنه من النادر أن يأمر القاضي بالإزالة الكلية بالرغم من أنه يملك ذلك لأن إستغلال مصدر الضرر غير المألوف غالباً ما يكون مفيداً للمجتمع، بل قد تؤدي الإزالة إلى وقف نشاط ضروري للإقتصاد القومي أو تعطيل عدد كبير من الموظفين أو العمال مما يقتضي الإبقاء على مصدر الضرر، ولكن مع تعويض الجار المتضرر عما يسببه له من مضار غير مألوفة.

وللقاضي ألا يجيب الجار المضرور إلى طلب الإزالة إكتفاء بالتعويض، إذا كانت إزالة المضار يترتب عليها إرهاق للمالك بحيث تسبب له خسارة فادحة وكان الإكتفاء بالتعويض لا يلحق بالجار المضرور ضرراً جسيماً ( م 2/203 مدنى ).

ويجوز أن يقترن هذا الجزاء العيني بتهديد مالي، فيقضي على المالك بغرامة مالية عن كل يوم أو عن كل وحدة أخرى من الزمن لا يقوم فيها بإزالة الضرر أو بالقيام بالأعمال المحددة في الحكم.

قد يرى القاضي ألا يجيب المضرور إلى التنفيذ العيني اكتفاء بالتعويض إذا كان في التنفيذ العينى إرهاق للمالك المسئول وكان الاكتفاء بالتعويض لا يلحق بالجار المضرور ضرراً جسيماً فإذا ترتب على وجود مصنع مثلاً الإنتقاص من منفعة عقار مجاور، فيجوز للقاضى إذا كان التنفيذ العيني يقتضي وقف تشغيل المصنع أن يكتفي بإلزام مالكه بتعويض مالك العقار المجاور.

ويجوز أيضاً للقاضي أن يحكم بتعويض نقدي أو بتعويض عيني، ويخير المالك بين تنفيذ أي من الجزائين يختاره.

وإذا كانت الإزالة غير كافية لتعويض الضرر تعويضاً کاملاً خاصة بالنسبة للأضرار التي حدثت في الفترة السابقة على الإزالة، حكم القاضي بالتعويض إذا كان هناك مقتض لذلك .(موسوعة الفقه والقضاء والتشريع، المستشار/ محمد عزمي البكري، الجزء : الحادي عشر الصفحة : 219)

وليس للجار أن يرجع على جاره في مضار الجوار المألوفة التي يمكن تجنبها، وإنما له أن يطلب إزالة هذه المضار إذا تجاوزت الحد المألوف على أن يراعى في ذلك العرف، وطبيعة العقارات، وموقع كل منها بالنسبة إلى الآخر، والغرض الذي خصصت له، ولا يحول الترخيص الصادر من الجهات المختصة دون استعمال هذا الحق.

فإذا كان الأصل أن المالك الحرية في إستعمال حقه، فإن هناك التزامات تترتب في علاقته بجيرانه مصدرها حسن الجوار، وهذه فكرة ذات طابع أخلاقي، إلا أن القانون في بعض الحالات يرقى بها إلى مصاف الإلتزامات القانونية، فقد يسأل الجار طبقاً للقواعد العامة إذا ارتكب خطأ نشأ عنه ضرر لجاره عن تعويض هذا الضرر، وهو يسأل في هذه الحالة مهما كان الضرر ولو كان يسيراً، طالما تحققت شروط المسئولية

وقد يسأل الجار على أساس إساءة استعمال الحق، ويورد القانون بضعة ضوابط ومعايير تلك تطبيقاً المعيار العام للتعسف في استعمال الحق، أما القيود التي نص عليها القانون فإن المسؤولية تترتب فيها على مخالفة المالك لما قرره القانون، کمقاسية البناء بغير مراعاة المسافة القانونية فإن ذلك ينطوي على عمل غير مشروع يخالف القانون، وتترتب فيه المسئولية بمجرد وقوعه ولو تولد حسن النية بغير حاجة لإثبات الضرر ويتعين محوه، فالمظلات غير القانونية يجب الحكم بسدها، والبناء القائم على أرض الغير يقضي بإزالته.(المسئولية المدنية في ضوء الفقه والقضاء، للمستشار عز الدين الدناصوري والدكتور عبد الحميد الشواربي، الجزء : الأول، الصفحة : 153)

الفقه الإسلامي

الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السادس عشر ، الصفحة / 216

جِوَارٌ

التَّعْرِيف:

1 - الْجِوَارُ - بِكَسْرِ الْجِيمِ - مَصْدَرُ جَاوَرَ، يُقَالُ: جَاوَرَ جِوَارًا وَمُجَاوَرَةً أَيْضًا. وَمِنْ مَعَانِي الْجِوَارِ الْمُسَاكَنَةُ وَالْمُلاَصَقَةُ، وَالاِعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْعَهْدُ وَالأْمَانُ.

وَمِنَ الْجِوَارِ الْجَارُ، وَيُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ، مِنْهَا: الْمُجَاوِرُ فِي الْمَسْكَنِ، وَالشَّرِيكُ فِي الْعَقَارِ أَوِ التِّجَارَةِ، وَالزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ، وَالْحَلِيفُ، وَالنَّاصِرُ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: كُلُّ مَنْ قَارَبَ بَدَنُهُ بَدَنَ صَاحِبِهِ قِيلَ لَهُ: جَارٌ.

وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْجَارُ: مَنْ يَقْرُبُ مَسْكَنُهُ مِنْكَ، وَهُوَ مِنَ الأْسْمَاءِ الْمُتَضَايِفَةِ؛ فَإِنَّ الْجَارَ لاَ يَكُونُ جَارًا لِغَيْرِهِ إِلاَّ وَذَلِكَ الْغَيْرُ جَارٌ لَهُ، كَالأْخِ وَالصَّدِيقِ. وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ: وَهُوَ الْمُلاَصَقَةُ فِي السَّكَنِ أَوْ نَحْوِهِ كَالْبُسْتَانِ وَالْحَانُوتِ.

الأْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْجِوَارِ :

أ - حَدُّ الْجِوَارِ :

2 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ حَدَّ الْجِوَارِ أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم قَالَ: «حَقُّ الْجَارِ أَرْبَعُونَ دَارًا هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا»

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجَارَ هُوَ الْمُلاَصِقُ مِنْ جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ أَوِ الْمُقَابِلُ لَهُ بَيْنَهُمَا شَارِعٌ ضَيِّقٌ لاَ يَفْصِلُهُمَا فَاصِلٌ كَبِيرٌ كَسُوقٍ أَوْ نَهْرٍ مُتَّسِعٍ، أَوْ مَنْ يَجْمَعُهُمَا مَسْجِدٌ أَوْ مَسْجِدَانِ لَطِيفَانِ مُتَقَارِبَانِ، إِلاَّ إِذَا دَلَّ الْعُرْفُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْحَدِّ.

وَحَمَلُوا حَدِيثَ: «أَلاَ إِنَّ أَرْبَعِينَ دَارًا جَارٌ» عَلَى التَّكْرِمَةِ وَالاِحْتِرَامِ، كَكَفِّ الأْذَى، وَدَفْعِ الضَّرَرِ، وَالْبِشْرِ فِي الْوَجْهِ وَالإْهْدَاءِ.

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ إِلَى أَنَّ الْجَارَ هُوَ الْمُلاَصِقُ فَقَطْ؛ لأِنَّ الْجَارَ مِنَ الْمُجَاوَرَةِ، وَهِيَ الْمُلاَصَقَةُ حَقِيقَةً. وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ هُوَ الْقِيَاسُ.

وَذَهَبَ الصَّاحِبَانِ (أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ) إِلَى أَنَّ الْجَارَ هُوَ الْمُلاَصِقُ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يَجْمَعُهُمُ الْمَسْجِدُ؛ لأِنَّ هُمْ يُسَمَّوْنَ جِيرَانًا عُرْفًا وَشَرْعًا، وَقَوْلُهُمَا اسْتِحْسَانٌ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ صلي الله عليه وسلم : «لاَ صَلاَةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ» وَجَاءَ تَفْسِيرُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه مَوْقُوفًا بِمَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ، وَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ بِرَّ الْجِيرَانِ فَاسْتِحْبَابُهُ شَامِلٌ لِلْمُلاَصِقِ وَغَيْرِهِ، وَلَمَّا كَانَ لاَ بُدَّ مِنَ الاِخْتِلاَطِ لِتَحَقُّقِ مَعْنَى الْمُجَاوَرَةِ كَانَ لاَ بُدَّ مِنِ اتِّحَادِ الْمَسْجِدِ لِتَحَقُّقِ الاِخْتِلاَطِ.

ب - حُقُوقُ الْجِوَارِ :

3 - جَاءَتِ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ تَحُضُّ عَلَى احْتِرَامِ الْجِوَارِ، وَرِعَايَةِ حَقِّ الْجَارِ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا).

 

فَالْجَارُ ذُو الْقُرْبَى، هُوَ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ. وَالْجَارُ الْجُنُبُ: هُوَ الَّذِي لاَ قَرَابَةَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ. أَمَّا السُّنَّةُ فَمِنْهَا قَوْلُهُ صلي الله عليه وسلم : «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ».

وَقَوْلُهُ صلوات الله عليه وسلم : «وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ. وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ. وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ. قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ».

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَأْكِيدُ حَقِّ الْجَارِ لِقَسَمِهِ صلي الله عليه وسلم عَلَى ذَلِكَ، وَتَكْرِيرِهِ الْيَمِينَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَفِيهِ نَفْيُ الإْيمَانِ عَمَّنْ يُؤْذِي جَارَهُ بِالْقَوْلِ، أَوْ بِالْفِعْلِ، وَمُرَادُهُ الإْيمَانُ الْكَامِلُ. وَلاَ شَكَّ أَنَّ الْعَاصِيَ غَيْرُ كَامِلِ الإْيمَانِ.

وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلاَ يُؤْذِ جَارَهُ». وَقَوْلُهُ صلي الله عليه وسلم : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ» هَذَا وَاسْمُ (الْجَارِ) جَاءَ فِي هَذَا الْمَقَامِ يَشْمَلُ الْمُسْلِمَ، وَغَيْرَ الْمُسْلِمِ، وَالْعَابِدَ وَالْفَاسِقَ، وَالْغَرِيبَ وَالْبَلَدِيَّ، وَالنَّافِعَ وَالضَّارَّ، وَالْقَرِيبَ وَالأْجْنَبِيَّ، وَالأْقْرَبَ دَارًا وَالأْبْعَدَ، وَلَهُ مَرَاتِبُ بَعْضُهَا أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ.

قَالَ أَحْمَدُ: الْجِيرَانُ ثَلاَثَةٌ: جَارٌ لَهُ حَقٌّ، وَهُوَ الذِّمِّيُّ الأْجْنَبِيُّ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ. وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ: وَهُوَ الْمُسْلِمُ الأْجْنَبِيُّ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ، وَحَقُّ الإْسْلاَمِ. وَجَارٌ لَهُ ثَلاَثَةُ حُقُوقٍ: وَهُوَ الْمُسْلِمُ الْقَرِيبُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ وَحَقُّ الإْسْلاَمِ وَحَقُّ الْقَرَابَةِ.

وَأَوْلَى الْجِوَارِ بِالرِّعَايَةِ مَنْ كَانَ أَقْرَبَهُمْ بَابًا. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْبُخَارِيُّ حِينَ قَالَ: بَابٌ: حَقُّ الْجِوَارِ فِي قُرْبِ الأْبْوَابِ. وَأَدْرَجَ تَحْتَهُ حَدِيثَ «عَائِشَةَ رضي الله عنها. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا».

وَمِنْ حُقُوقِ الْجِوَارِ مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي قَوْلِهِ: لَيْسَ حَقُّ الْجِوَارِ كَفَّ الأْذَى فَقَطْ، بَلِ احْتِمَالُ الأْذَى، فَإِنَّ الْجَارَ أَيْضًا قَدْ كَفَّ أَذَاهُ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ قَضَاءُ حَقٍّ وَلاَ يَكْفِي احْتِمَالُ الأْذَى، بَلْ لاَ بُدَّ مِنَ الرِّفْقِ، وَإِسْدَاءِ الْخَيْرِ وَالْمَعْرُوفِ.. وَمِنْهَا: أَنْ يَبْدَأَ جَارَهُ بِالسَّلاَمِ، وَيَعُودَهُ فِي الْمَرَضِ، وَيُعَزِّيَهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، وَيُهَنِّئَهُ عِنْدَ الْفَرَحِ، وَيُشَارِكَهُ السُّرُورَ بِالنِّعْمَةِ، وَيَتَجَاوَزَ عَنْ زَلاَّتِهِ، وَيَغُضَّ بَصَرَهُ عَنْ مَحَارِمِهِ، وَيَحْفَظَ عَلَيْهِ دَارَهُ إِنْ غَابَ، وَيَتَلَطَّفَ بِوَلَدِهِ، وَيُرْشِدَهُ إِلَى مَا يَجْهَلُهُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ.. هَذَا إِلَى جُمْلَةِ الْحُقُوقِ الثَّابِتَةِ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ.

وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّ الْمُجَاوَرَةَ تُوجِبُ لِكُلٍّ مِنَ الْحَقِّ مَا لاَ يَجِبُ لأِجْنَبِيٍّ، وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا لاَ يَحْرُمُ عَلَى الأْجْنَبِيِّ. فَيُبِيحُ الْجِوَارُ الاِنْتِفَاعَ بِمِلْكِ الْجَارِ الْخَالِي مِنْ ضَرَرِ الْجَارِ، وَيَحْرُمُ الاِنْتِفَاعُ بِمِلْكِ الْجَارِ إِذَا كَانَ فِيهِ إِضْرَارٌ.

 

حِفْظُ حُرْمَةِ الْجَارِ :

4 - الْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْحَقِّ حِفْظُ حُرْمَةِ الْجَارِ، وَسَتْرُ عِيَالِهِ.. وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْجِدَارِ السَّاتِرِ وَبِالنَّافِذَةِ الَّتِي لاَ يُطِلُّ مِنْهَا الْجَارُ عَلَى حَرِيمِ جَارِهِ.

أَمَّا الْجِدَارُ السَّاتِرُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَائِمًا بَيْنَ الْمِلْكَيْنِ مِنْ قَدِيمٍ، وَأَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَبْنِيَهُ بِالاِشْتِرَاكِ مَعَ الآْخَرِ لِيَحْجِزَ بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا، فَامْتَنَعَ الآْخَرُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ.

وَإِنْ أَرَادَ الْبِنَاءَ وَحْدَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْبِنَاءُ إِلاَّ فِي مِلْكِهِ خَاصَّةً؛ لأِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ جَارِهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ لاَ يُعْلَمُ فِيهِ خِلاَفٌ.

غَيْرَ أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ سُئِلَ عَنْ بُسْتَانٍ مُشْتَرَكٍ حَصَلَتْ فِيهِ الْقِسْمَةُ، فَأَرَادَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَبْنِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَارِهِ جِدَارًا، فَامْتَنَعَ أَنْ يَدَعَهُ يَبْنِي، أَوْ يَقُومَ مَعَهُ عَلَى الْبِنَاءِ. فَأَجَابَ: يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَيُؤْخَذُ الْجِدَارُ مِنْ أَرْضِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِقَدْرِ حَقِّهِ.

فَإِنْ كَانَ الْجِدَارُ قَدِيمًا، فَهُدِمَ، وَأَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَبْنِيَهُ، وَأَبَى الآْخَرُ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَقْوَالٌ.. قَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ يُجْبَرُ. وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ: فِي زَمَانِنَا يُجْبَرُ؛ لأِنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ. وَقِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ عَلَى تَفْصِيلٍ: إِنْ كَانَ أَصْلُ الْجِدَارِ يَحْتَمِلَ الْقِسْمَةَ، وَيُمْكِنُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَبْنِيَ فِي نَصِيبِهِ سُتْرَةً.. لاَ يُجْبَرُ الآْبِي عَلَى الْبِنَاءِ. وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْحَائِطِ لاَ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُؤْمَرُ الآْبِي بِالْبِنَاءِ.

وَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: لاَ يُجْبَرُ الَّذِي أَبَى مِنْهُمَا عَلَى الْبُنْيَانِ، وَيُقَالُ لِطَالِبِ الْبِنَاءِ: اسْتُرْ عَلَى نَفْسِكَ، وَابْنِ إِنْ شِئْتَ.

وَلَهُ أَنْ يَقْسِمَ مَعَهُ عَرْصَةَ الْحَائِطِ، وَيَبْنِيَ فِيهَا لِنَفْسِهِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يُؤْمَرُ بِالْبُنْيَانِ، وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيْنَا.

وَإِذَا كَانَ الْجِدَارُ لأِحَدِهِمَا وَهَدَمَهُ إِضْرَارًا بِجَارِهِ، فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِإِعَادَتِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ؛ لأِجْلِ أَنْ يَسْتُرَ عَلَى جَارِهِ. وَإِذَا هَدَمَ الْجِدَارَ لإِصْلاَحِهِ أَوِ انْهَدَمَ بِنَفْسِهِ فَلاَ يُقْضَى عَلَى صَاحِبِهِ أَنْ يُعِيدَهُ، وَيُقَالُ لِلْجَارِ: اسْتُرْ عَلَى نَفْسِكَ إِنْ شِئْتَ.

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ - فِي الْجَدِيدِ - أَنَّهُ لَيْسَ لِلشَّرِيكِ إِجْبَارُ شَرِيكِهِ عَلَى عِمَارَةِ الْجِدَارِ وَلَوْ بِهَدْمِ الشَّرِيكَيْنِ لِلْمُشْتَرَكِ لاِسْتِهْدَامٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لأِنَّ الْمُمْتَنِعَ يَتَضَرَّرُ بِتَكْلِيفِهِ الْعِمَارَةَ، وَالضَّرَرُ لاَ يُزَالُ بِالضَّرَرِ.

وَقِيلَ : إِنَّ الْقَاضِيَ يُلاَحِظُ أَحْوَالَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ الاِمْتِنَاعَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ أَوْ شَكَّ فِي أَمْرِهِ لَمْ يُجْبِرْهُ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ عِنَادٌ أَجْبَرَهُ.

قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي النَّهْرِ، وَالْقَنَاةِ، وَالْبِئْرِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَاتِّخَاذِ سُتْرَةٍ بَيْنَ سَطْحَيْهِمَا.

وَلَوْ هَدَمَ الْجِدَارَ الْمُشْتَرَكَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بِغَيْرِ إِذْنِ الآْخَرِ لَزِمَهُ أَرْشُ النَّقْصِ لاَ إِعَادَةُ الْبِنَاءِ؛ لأِنَّ الْجِدَارَ لَيْسَ مِثْلِيًّا، وَعَلَيْهِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَإِنْ نَصَّ فِي غَيْرِهِ عَلَى لُزُومِ الإْعَادَةِ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْجِدَارُ الَّذِي انْهَدَمَ مُشْتَرَكًا وَطَالَبَ أَحَدُهُمَا شَرِيكَهُ الْمُوسِرَ بِبِنَائِهِ مَعَهُ أُجْبِرَ الْمَطْلُوبُ عَلَى الْبِنَاءِ مَعَهُ.

وَأَمَّا فِي السَّطْحِ، فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَدْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ مَنْ كَانَ سَطْحُهُ، وَسَطْحُ جَارِهِ سَوَاءً، وَفِي صُعُودِهِ السَّطْحَ يَقَعُ بَصَرُهُ فِي دَارِ جَارِهِ، فَلِلْجَارِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الصُّعُودِ مَا لَمْ يَتَّخِذْ سُتْرَةً. وَإِنْ كَانَ بَصَرُهُ لاَ يَقَعُ فِي دَارِ جَارِهِ، وَلَكِنْ يَقَعُ عَلَى جِيرَانِهِ إِذَا كَانُوا عَلَى السَّطْحِ لاَ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ الإْمَامُ نَاصِرُ الدِّينِ: هَذَا نَوْعُ اسْتِحْسَانٍ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يُمْنَعَ.

وَقَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ: إِنَّ الْمُرْتَقِيَ يُخْبِرُهُمْ وَقْتَ الاِرْتِقَاءِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ حَتَّى يَسْتُرُوا أَنْفُسَهُمْ.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُجْبَرُ صَاحِبُ السَّطْحِ عَلَى أَنْ يَتَّخِذَ سُتْرَةً تَحْجُبُهُ عَنْ جَارِهِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُمْنَعُ الْجَارُ مِنْ صُعُودِ سَطْحِهِ إِذَا كَانَ يَنْظُرُ حَرَامًا عَلَى جَارِهِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُلْزَمُ بِاتِّخَاذِ سُتْرَةً إِذَا كَانَ سَطْحُهُ أَعْلَى مِنْ سَطْحِ جَارِهِ. فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الْعُلُوِّ اشْتَرَكَا فِي بِنَائِهَا؛ إِذْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الآْخَرِ بِالسُّتْرَةِ فَلَزِمَتْهُمَا.

5 - وَأَمَّا النَّافِذَةُ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُمْنَعُ صَاحِبُ الْعُلُوِّ مِنْ فَتْحِ بَابٍ، أَوْ كَوَّةٍ تُطِلُّ عَلَى سَاحَةِ الْجَارِ. وَلَيْسَ لِلْجَارِ حَقُّ الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَبْنِيَ مَا يَسْتُرُ جِهَتَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَقَالَ أَبُو السُّعُودِ: وَبِهِ يُفْتَى.

وَقِيلَ: إِنْ كَانَتْ الْكَوَّةُ لِلنَّظَرِ، وَكَانَتِ السَّاحَةُ مَحَلَّ الْجُلُوسِ لِلنِّسَاءِ يُمْنَعُ. وَذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ عَلَيْهِ الْفَتْوَى.

وَإِنْ كَانَ ارْتِفَاعُ النَّافِذَةِ عَنْ أَرْضِ الْغُرْفَةِ مِقْدَارَ قَامَةِ الإْنْسَانِ، فَلَيْسَ لِلْجَارِ أَنْ يُكَلِّفَهُ سَدَّهَا.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى مَنْعِ فَتْحِ نَافِذَةٍ يُشْرِفُ مِنْهَا الْجَارُ عَلَى دَارِ جَارِهِ، فَإِنْ فَتَحَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ تَعَيَّنَ سَدُّهُ.

وَحَدُّ الإْشْرَافِ هُوَ مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه كَتَبَ فِي رَجُلٍ أَحْدَثَ غُرْفَةً عَلَى جَارِهِ، فَفَتَحَ كَوَّةً: أَنْ يُوضَعَ وَرَاءَ تِلْكَ الْكَوَّةِ سَرِيرٌ، وَيَقُومَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَإِنْ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى مَا فِي دَارِ الرَّجُلِ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لاَ يَنْظُرُ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ.

أَمَّا النَّافِذَةُ الْقَدِيمَةُ، فَإِنَّهُ لاَ يُقْضَى بِسَدِّهَا. فِي قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُمْنَعُ الْمَالِكُ مِنْ فَتْحِ نَافِذَةٍ وَنَحْوِهَا وَلَوْ كَانَ يُشْرِفُ بِذَلِكَ عَلَى حَرِيمِ جَارِهِ؛ لِتَمَكُّنِ الْجَارِ مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ بِبِنَاءِ سُتْرَةٍ تَسْتُرُهُ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ النَّافِذَةَ وَالْبَابَ، وَنَحْوَهُمَا مِمَّا يُشْرِفُ الْجَارُ مِنْهُ عَلَى حَرِيمِ جَارِهِ يُقْضَى بِسَدِّهِ. وَإِلاَّ فَلاَ.

أَثَرُ الْجِوَارِ فِي تَقْيِيدِ التَّصَرُّفِ فِي الْمِلْكِ :

6 - مِنْ أَحْكَامِ الْمِلْكِ التَّامِّ أَنَّهُ يُعْطِي الْمَالِكَ وِلاَيَةَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَمْلُوكِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَخْتَارُ، كَمَا يَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ وَرِضَاهُ، وَهَذَا لاَ يَكُونُ إِلاَّ عِنْدَمَا يَخْلُو الْمِلْكُ مِنْ أَيِّ حَقٍّ عَلَيْهِ لِلآْخَرِينَ. وَلَكِنَّ هَذَا الْحُكْمَ قَدْ يُقَيَّدُ بِسَبَبِ الْجِوَارِ لِتَجَنُّبِ الإْضْرَارِ بِالْجَارِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَقْيِيدِ الْمِلْكِ لِتَجَنُّبِ الإْضْرَارِ بِالْجَارِ.

فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ فِيمَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الْمَالِكَ لاَ يُمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ إِلاَّ إِذَا نَتَجَ عَنْهُ إِضْرَارٌ بِالْجَارِ، فَإِنَّهُ يُمْنَعُ عِنْدَئِذٍ مَعَ الضَّمَانِ؛ لِمَا قَدْ يَنْتُجُ مِنَ الضَّرَرِ.

وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ الضَّرَرَ بِأَنْ يَكُونَ بَيِّنًا، وَحَدُّ هَذَا الضَّرَرِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ: كُلُّ مَا يَمْنَعُ الْحَوَائِجَ الأْصْلِيَّةَ يَعْنِي الْمَنْفَعَةَ الأْصْلِيَّةَ الْمَقْصُودَةَ مِنَ الْبِنَاءِ كَالسُّكْنَى، أَوْ يَضُرُّ بِالْبِنَاءِ أَيْ يَجْلِبُ لَهُ وَهْنًا وَيَكُونُ سَبَبَ انْهِدَامِهِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُلاَّكِ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ عَلَى الْعَادَةِ فِي التَّصَرُّفِ، وَإِنْ تَضَرَّرَ بِهِ جَارُهُ أَوْ أَدَّى إِلَى إِتْلاَفِ مَالِهِ، كَمَنْ حَفَرَ بِئْرَ مَاءٍ أَوْ حُشٍّ فَاخْتَلَّ بِهِ جِدَارُ جَارِهِ أَوْ تَغَيَّرَ بِمَا فِي الْحُشِّ مَاءُ بِئْرِهِ؛ لأِنَّ فِي مَنْعِ الْمَالِكِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ مِمَّا يَضُرُّ جَارَهُ ضَرَرًا لاَ جَابِرَ لَهُ، فَإِنْ تَعَدَّى بِأَنْ جَاوَزَ الْعَادَةَ فِي التَّصَرُّفِ ضَمِنَ مَا تَعَدَّى فِيهِ لاِفْتِيَاتِهِ.

وَالأْصَحُّ: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَنْ يَتَّخِذَ دَارَهُ الْمَحْفُوفَةَ بِمَسَاكِنَ حَمَّامًا وَطَاحُونَةً وَمَدْبَغَةً وَإِصْطَبْلاً وَفُرْنًا، وَحَانُوتَهُ فِي الْبَزَّازِينَ حَانُوتَ حَدَّادٍ وَقَصَّارٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ، كَأَنْ يَجْعَلَهُ مَدْبَغَةً، إِذَا احْتَاطَ وَأَحْكَمَ الْجُدْرَانَ إِحْكَامًا يَلِيقُ بِمَا يَقْصِدُهُ؛ لأِنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ وَفِي مَنْعِهِ إِضْرَارٌ بِهِ. وَالثَّانِي: الْمَنْعُ لِلإِْضْرَارِ بِهِ. وَلِمَزِيدٍ مِنَ التَّفْصِيلِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (تَعَلِّي) (وَحَائِطٌ).

الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السادس عشر ، الصفحة / 219

حفْظُ حُرْمة الْجار :

4 - الْمُرادُ منْ هذا الْحقّ حفْظُ حُرْمة الْجار، وستْرُ عياله.. وذلك يكُونُ بالْجدار السّاتر وبالنّافذة الّتي لا يُطلُّ منْها الْجارُ على حريم جاره.

أمّا الْجدارُ السّاترُ، فإنْ لمْ يكُنْ قائمًا بيْن الْملْكيْن منْ قديمٍ، وأراد أحدُهُما أنْ يبْنيهُ بالاشْتراك مع الآْخر ليحْجز بيْن ملْكيْهما، فامْتنع الآْخرُ لمْ يُجْبرْ عليْه.

وإنْ أراد الْبناء وحْدهُ لمْ يكُنْ لهُ الْبناءُ إلاّ في ملْكه خاصّةً؛ لأنّهُ لا يمْلكُ التّصرُّف في ملْك جاره الْمُخْتصّ به. وهذا كُلُّهُ لا يُعْلمُ فيه خلافٌ( ).

غيْر أنّ ابْن تيْميّة سُئل عنْ بُسْتانٍ مُشْتركٍ حصلتْ فيه الْقسْمةُ، فأراد أحدُ الشّريكيْن أنْ يبْني بيْنهُ وبيْن جاره جدارًا، فامْتنع أنْ يدعهُ يبْني، أوْ يقُوم معهُ على الْبناء. فأجاب: يُجْبرُ على ذلك، ويُؤْخذُ الْجدارُ منْ أرْض كُلٍّ منْهُما بقدْر حقّه( ).

فإنْ كان الْجدارُ قديمًا، فهُدم، وأراد أحدُهُما أنْ يبْنيهُ، وأبى الآْخرُ، فعنْد الْحنفيّة أقْوالٌ.. قال بعْضُهُمْ: لا يُجْبرُ. وقال أبُو اللّيْث: في زماننا يُجْبرُ؛ لأنّهُ لا بُدّ أنْ يكُون بيْنهُما سُتْرةٌ. وقيل: ينْبغي أنْ يكُون الْجوابُ على تفْصيلٍ: إنْ كان أصْلُ الْجدار يحْتمل الْقسْمة، ويُمْكنُ

لكُلّ واحدٍ منْهُما أنْ يبْني في نصيبه سُتْرةً.. لا يُجْبرُ الآْبي على الْبناء. وإنْ كان أصْلُ الْحائط لا يحْتملُ الْقسْمة على هذا الْوجْه يُؤْمرُ الآْبي بالْبناء( ).

وعنْ مالكٍ في ذلك روايتان: إحْداهُما: لا يُجْبرُ الّذي أبى منْهُما على الْبُنْيان، ويُقالُ لطالب الْبناء: اسْتُرْ على نفْسك، وابْن إنْ شئْت.

ولهُ أنْ يقْسم معهُ عرْصة الْحائط، ويبْني فيها لنفْسه. والرّوايةُ الثّانيةُ: يُؤْمرُ بالْبُنْيان، ويُجْبرُ عليْه. قال ابْنُ عبْد الْحكم: وذلك أحبُّ إليْنا.

وإذا كان الْجدارُ لأحدهما وهدمهُ إضْرارًا بجاره، فإنّهُ يُقْضى عليْه بإعادته على ما كان عليْه؛ لأجْل أنْ يسْتُر على جاره. وإذا هدم الْجدار لإصْلاحه أو انْهدم بنفْسه فلا يُقْضى على صاحبه أنْ يُعيدهُ، ويُقالُ للْجار: اسْتُرْ على نفْسك إنْ شئْت( ).

ويرى الشّافعيّةُ - في الْجديد - أنّهُ ليْس للشّريك إجْبارُ شريكه على عمارة الْجدار ولوْ بهدْم الشّريكيْن للْمُشْترك لاسْتهْدامٍ أوْ غيْره؛ لأنّ الْمُمْتنع يتضرّرُ بتكْليفه الْعمارة، والضّررُ لا يُزالُ بالضّرر.

وقيل : إنّ الْقاضي يُلاحظُ أحْوال الْمُتخاصميْن، فإنْ ظهر لهُ أنّ الامْتناع لغرضٍ صحيحٍ أوْ شكّ في أمْره لمْ يُجْبرْهُ، وإنْ علم أنّهُ عنادٌ أجْبرهُ.

قال في الرّوْضة: ويجْري ذلك في النّهْر، والْقناة، والْبئْر الْمُشْتركة، واتّخاذ سُتْرةٍ بيْن سطْحيْهما.

ولوْ هدم الْجدار الْمُشْترك أحدُ الشّريكيْن بغيْر إذْن الآْخر لزمهُ أرْشُ النّقْص لا إعادةُ الْبناء؛ لأنّ الْجدار ليْس مثْليًّا، وعليْه نصّ الشّافعيُّ في الْبُويْطيّ وإنْ نصّ في غيْره على لُزُوم الإْعادة( ).

وذهب الْحنابلةُ إلى أنّهُ إنْ كان الْجدارُ الّذي انْهدم مُشْتركًا وطالب أحدُهُما شريكهُ الْمُوسر ببنائه معهُ أُجْبر الْمطْلُوبُ على الْبناء معهُ( ).

وأمّا في السّطْح، فإنّ الْحنفيّة قدْ ذهبُوا إلى أنّ منْ كان سطْحُهُ، وسطْحُ جاره سواءً، وفي صُعُوده السّطْح يقعُ بصرُهُ في دار جاره، فللْجار أنْ يمْنعهُ من الصُّعُود ما لمْ يتّخذْ سُتْرةً. وإنْ كان بصرُهُ لا يقعُ في دار جاره، ولكنْ يقعُ على جيرانه إذا كانُوا على السّطْح لا يُمْنعُ منْ ذلك. قال الإْمامُ ناصرُ الدّين: هذا نوْعُ اسْتحْسانٍ، والْقياسُ أنْ يُمْنع.

وقال الصّدْرُ الشّهيدُ: إنّ الْمُرْتقي يُخْبرُهُمْ وقْت الارْتقاء مرّةً أوْ مرّتيْن حتّى يسْتُرُوا أنْفُسهُمْ.

وعنْد الْمالكيّة يُجْبرُ صاحبُ السّطْح على أنْ يتّخذ سُتْرةً تحْجُبُهُ عنْ جاره، وعنْد الشّافعيّة لا يُجْبرُ على ذلك( ).

وعنْد الْحنابلة يُمْنعُ الْجارُ منْ صُعُود سطْحه إذا كان ينْظُرُ حرامًا على جاره، ولذلك فإنّهُ يُلْزمُ باتّخاذ سُتْرةً إذا كان سطْحُهُ أعْلى منْ سطْح جاره. فإن اسْتويا في الْعُلُوّ اشْتركا في بنائها؛ إذْ ليْس أحدُهُما أوْلى من الآْخر بالسُّتْرة فلزمتْهُما( ).

5 - وأمّا النّافذةُ: فذهب الْحنفيّةُ إلى أنّهُ لا يُمْنعُ صاحبُ الْعُلُوّ منْ فتْح بابٍ، أوْ كوّةٍ تُطلُّ على ساحة الْجار. وليْس للْجار حقُّ الْمنْع منْ ذلك، وإنّما عليْه أنْ يبْني ما يسْتُرُ جهتهُ، وهُو ظاهرُ الرّواية. وقال أبُو السُّعُود: وبه يُفْتى.

وقيل: إنْ كانتْ الْكوّةُ للنّظر، وكانت السّاحةُ محلّ الْجُلُوس للنّساء يُمْنعُ. وذكر ابْنُ عابدين أنّ عليْه الْفتْوى( ).

وإنْ كان ارْتفاعُ النّافذة عنْ أرْض الْغُرْفة مقْدار قامة الإْنْسان، فليْس للْجار أنْ يُكلّفهُ سدّها ( ) .

وذهب الْمالكيّةُ إلى منْع فتْح نافذةٍ يُشْرفُ منْها الْجارُ على دار جاره، فإنْ فتح شيْئًا منْ ذلك تعيّن سدُّهُ.

وحدُّ الإْشْراف هُو ما رُوي أنّ عُمر بْن الْخطّاب رضي الله عنه كتب في رجُلٍ أحْدث غُرْفةً على جاره، ففتح كوّةً: أنْ يُوضع وراء تلْك الْكوّة سريرٌ، ويقُوم عليْه رجُلٌ، فإنْ كان ينْظُرُ إلى ما في دار الرّجُل مُنع منْ ذلك وإنْ كان لا ينْظُرُ لمْ يُمْنعْ منْ ذلك( ).

أمّا النّافذةُ الْقديمةُ، فإنّهُ لا يُقْضى بسدّها. في قوْل الْحنفيّة والْمالكيّة.

وذهب الشّافعيّةُ إلى أنّهُ لا يُمْنعُ الْمالكُ منْ فتْح نافذةٍ ونحْوها ولوْ كان يُشْرفُ بذلك على حريم جاره؛ لتمكُّن الْجار منْ دفْع الضّرر عنْ نفْسه ببناء سُتْرةٍ تسْتُرُهُ.

وذهب الْحنابلةُ إلى أنّ النّافذة والْباب، ونحْوهُما ممّا يُشْرفُ الْجارُ منْهُ على حريم جاره يُقْضى بسدّه. وإلاّ فلا( ).

أثرُ الْجوار في تقْييد التّصرُّف في الْملْك :

6 - منْ أحْكام الْملْك التّامّ أنّهُ يُعْطي الْمالك ولاية التّصرُّف في الْممْلُوك على الْوجْه الّذي يخْتارُ، كما يمْنعُ غيْرهُ من التّصرُّف فيه منْ غيْر إذْنه ورضاهُ، وهذا لا يكُونُ إلاّ عنْدما يخْلُو الْملْكُ منْ أيّ حقٍّ عليْه للآْخرين. ولكنّ هذا الْحُكْم قدْ يُقيّدُ بسبب الْجوار لتجنُّب الإْضْرار بالْجار.

وقد اخْتلف الْفُقهاءُ في تقْييد الْملْك لتجنُّب الإْضْرار بالْجار.

فذهب الْمالكيّةُ والْحنابلةُ والْحنفيّةُ فيما عليْه الْفتْوى عنْدهُمْ إلى أنّ الْمالك لا يُمْنعُ من التّصرُّف في ملْكه إلاّ إذا نتج عنْهُ إضْرارٌ بالْجار، فإنّهُ يُمْنعُ عنْدئذٍ مع الضّمان؛ لما قدْ ينْتُجُ من الضّرر.

وقيّد الْحنفيّةُ والْمالكيّةُ الضّرر بأنْ يكُون بيّنًا، وحدُّ هذا الضّرر عنْدهُمْ أنّهُ: كُلُّ ما يمْنعُ الْحوائج الأْصْليّة يعْني الْمنْفعة الأْصْليّة الْمقْصُودة من الْبناء كالسُّكْنى، أوْ يضُرُّ بالْبناء أيْ يجْلبُ لهُ وهْنًا ويكُونُ سبب انْهدامه( ).

وذهب الشّافعيّةُ إلى أنّ كُلّ واحدٍ من الْمُلاّك لهُ أنْ يتصرّف في ملْكه على الْعادة في التّصرُّف، وإنْ تضرّر به جارُهُ أوْ أدّى إلى إتْلاف ماله، كمنْ حفر بئْر ماءٍ أوْ حُشٍّ فاخْتلّ به جدارُ جاره أوْ تغيّر بما في الْحُشّ ماءُ بئْره؛ لأنّ في منْع الْمالك من التّصرُّف في ملْكه ممّا يضُرُّ جارهُ ضررًا لا جابر لهُ، فإنْ تعدّى بأنْ جاوز الْعادة في التّصرُّف ضمن ما تعدّى فيه لافْتياته.

والأْصحُّ: أنّهُ يجُوزُ للشّخْص أنْ يتّخذ دارهُ الْمحْفُوفة بمساكن حمّامًا وطاحُونةً ومدْبغةً وإصْطبْلاً وفُرْنًا، وحانُوتهُ في الْبزّازين حانُوت حدّادٍ وقصّارٍ ونحْو ذلك، كأنْ يجْعلهُ مدْبغةً، إذا احْتاط وأحْكم الْجُدْران إحْكامًا يليقُ بما يقْصدُهُ؛ لأنّهُ يتصرّفُ في خالص ملْكه وفي منْعه إضْرارٌ به. والثّاني: الْمنْعُ للإْضْرار به( ). ولمزيدٍ من التّفْصيل يُنْظرُ مُصْطلحُ: (تعلّي) (وحائطٌ).

الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / التاسع والثلاوثون ، الصفحة / 39

الْقُيُودُ الْوَارِدَةُ عَلَى الْمِلْكِ:

تَرِدُ عَلَى الْمِلْكِ قُيُودٌ تَتَعَلَّقُ إِمَّا بِالأْسْبَابِ أَوْ بِالاِسْتِعْمَالِ أَوْ بِالاِنْتِقَالِ، وَكَذَلِكَ الْقُيُودُ الَّتِي أُعْطِيَتْ لِوَلِيِّ الأْمْرِ وَلِلْمُتَعَاقِدِ.

أَوَّلاً - الْقُيُودُ الْوَارِدَةُ عَلَى أَسْبَابِ الْمِلْكِ

10 - تَظْهَرُ هَذِهِ الْقُيُودُ مِنْ خِلاَلِ كَوْنِ أَسْبَابِ كَسْبِ الْمِلْكِ فِي الشَّرِيعَةِ مُقَيَّدَةٌ بِأَنْ تَكُونَ مَشْرُوعَةً، وَلَيْسَتْ مُطْلَقَةً، وَلِذَلِكَ فَالْوَسَائِلُ الْمُحَرَّمَةُ مِنْ سَرِقَةٍ، وَغَصْبٍ، أَوِ اسْتِغْلاَلٍ، أَوْ قِمَارٍ، أَوْ رِبًا، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لَيْسَتْ مِنْ أَسْبَابِ التَّمَلُّكِ، حَيْثُ قَطَعَتِ الشَّرِيعَةُ الطَّرِيقَ بَيْنَ الأْسْبَابِ الْمُحَرَّمَةِ وَالْمِلْكِ، وَمَنَعَتْهَا مَنْعًا بَاتًّا، وَطَالَبَتِ الْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا أَنْ تَكُونَ أَمْوَالُهُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا، وَبِذَلِكَ وَرَدَتِ الآْيَاتُ وَالأْحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ، مِنْهَا قوله تعالي : (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) . حَيْثُ مَنَعَ أَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ إِلاَّ عَنْ طَرِيقِ الرِّضَا وَالإْرَادَةِ.

وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِأَكْلِ الطَّيِّبَاتِ فَقَالَ تَعَالَى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) .

وَقَدْ وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ : (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وَقَالَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ».

ثَانِيًا - الْقُيُودُ الْوَارِدَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمِلْكِ

11 - وَضَعَتِ الشَّرِيعَةُ قُيُودًا عَلَى الْمِلْكِ مِنْ حَيْثُ الاِسْتِعْمَالِ فَأَوْجَبَتْ عَلَى الْمَالِكِ:

أ - أَنْ لاَ يَكُونَ مُبَذِّرًا مُسْرِفًا، وَلاَ مُقَتِّرًا بَخِيلاً، قَالَ تَعَالَى : (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) وَقَالَ سُبْحَانَهُ (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) .

وَالآْيَاتُ وَالأْحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَجَالِ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ الإْسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ وَتَضْيِيعِ الْمَالِ بِدُونِ فَائِدَةٍ حَتَّى فِي مَجَالِ الأْكْلِ، يَقُولُ مُحَمَّدٌ بْنِ حَسَنٍ الشَّيْبَانِيُّ: ثُمَّ الْحَاصِلُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْءِ فِيمَا اكْتَسَبَهُ مِنَ الْحَلاَلِ الإْفْسَادُ، وَالسَّرَفُ، وَالتَّقْتِيرُ... ثُمَّ السَّرَفُ فِي الطَّعَامِ أَنْوَاعٌ: وَمِنْهُ الاِسْتِكْثَارُ فِي الْمُبَاحَاتِ وَالأْلْوَانِ .

ب - أَلاَّ يَسْتَعْمِلَ الْمَالِكُ مَا حَرَّمَهُ الشَّرْعُ، وَمِنْ ذَلِكَ حُرْمَةُ لُبْسِ الْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ وَاسْتِعْمَالِ الذَّهَبِ لَهُمْ وَاسْتِعْمَالِ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ

ج - وُجُوبُ الاْسْتِنْمَاءِ فِي الْجُمْلَةِ وَعَدَمِ تَعْطِيلِ الأْمْوَالِ حَتَّى تُؤَدِّيَ دَوْرَهَا فِي التَّدَاوُلِ وَالتَّعْمِيرِ، تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الآْيَاتُ وَالأْحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ الَّتِي تُطَالِبُ بِالْعَمَلِ وَالتِّجَارَةِ وَالصِّنَاعَةِ وَالزِّرَاعَةِ بِصِيَغِ الأْوَامِرِ، وَمِنْهَاقوله تعالي : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأْرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) وَقَوْلُهُ تَعَالَى : (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأْرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) وَمِنَ الأْحَادِيثِ قَوْلُ النَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم: «مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ وَلاَ يَتْرُكُهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ» . كَمَا صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّ مَا لاَ تَتِمُّ مَصَالِحُ الأْمَّةِ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَنَصُّوا عَلَى أَنَّ الْحِرَفَ وَالصَّنَائِعَ وَالتِّجَارَةَ الْمُحْتَاجَ إِلَيْهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ لأِنَّ قِيَامَ الدُّنْيَا بِهَا، وَقِيَامَ الدِّينِ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا، حَتَّى لَوِ امْتَنَعَ الْخَلْقُ مِنْهُ أَثِمُوا، وَكَانُوا سَاعِينَ فِي إِهْلاَكِ أَنْفُسِهِمْ، لَكِنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ، فَلاَ تَحْتَاجُ إِلَى حَثٍّ عَلَيْهَا وَتَرْغِيبٍ فِيهَا .

وَقَالَ مُحَمَّدٌ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ: ثُمَّ الْمَذْهَبُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْكَسْبَ بِقَدْرِ مَا لاَ بُدَّ مِنْهُ فَرِيضَةٌ .

وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (إِنْمَاءٌ ف 10 - 17).

د - عَدَمُ الإْضْرَارِ بِالْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلشَّخْصِ فِي اسْتِعْمَالِهِ مِلْكَهُ أَنْ يَقْصِدَ الإْضْرَارَ بِالْغَيْرِ، لِقَوْلِهِ صلي الله عليه وسلم: «لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الإْضْرَارِ بِأَحَدٍ لاَ فِي مَالِهِ، وَلاَ فِي نَفْسِهِ وَلاَ فِي عِرْضِهِ.

وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ مُقَابَلَةُ الضَّرَرِ بِالضَّرَرِ وَالإْتْلاَفِ بِالإْتْلاَفِ، فَكُلُّ تَصَرُّفٍ - وَلَوْ كَانَ فِي مِلْكِ الْمَالِكِ - يُمْنَعُ إِذَا أَدَّى إِلَى الإْضْرَارِ بِالآْخَرِينَ، وَلِذَلِكَ مَنَعَ الْفُقَهَاءُ الْمَالِكَ مِنْ إِشْعَالِ النَّارِ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ، وَلَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ، مَا دَامَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إِحْرَاقُ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِ الْجِيرَانِ، حَيْثُ يُعْتَبَرُ مُتَعَدِّيًا، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ .

12 - وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي مَنْعِ الْجَارِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الْمُعْتَادَةِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الإْضْرَارُ بِالْجَارِ عَلَى ثَلاَثَةِ مَذَاهِبَ:

فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ، وَهُمْ مُتَقَدِّمُو الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الرَّاجِحِ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْنَعُ مَا دَامَ فِيهِ قَصْدُ الإْضْرَارِ، أَوْ كَانَ الضَّرَرُ فَاحِشًا، وَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ، وَأَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ.

وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الضَّرَرِ الْفَاحِشِ فَيُمْنَعُ، وَغَيْرُ الْفَاحِشِ الَّذِي لاَ يُمْنَعُ، وَهُوَ رَأْيُ أَبِي يُوسُفَ فِي رِوَايَةٍ، وَمُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ، وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ .

وَكَمَا مَنَعَتِ الشَّرِيعَةُ الإْضْرَارَ بِالأْفْرَادِ مَنَعَتِ الإْضْرَارَ بِالْمُجْتَمَعِ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَتِ الاِحْتِكَارَ وَالرِّبَا، وَالْمُتَاجَرَةَ الْمُؤَدِّيَةَ إِلَى الْفَسَادِ.

ثَالِثًا - الْقُيُودُ الْوَارِدَةُ عِنْدَ انْتِقَالِ الْمِلْكِ

13 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ لاِنْتِقَالِ الْمِلْكِ شُرُوطًا وَضَوَابِطَ، وَجَعَلَتِ الشَّرِيعَةُ وَسَائِلَ الاِنْتِقَالِ - كَقَاعِدَةٍ عَامَّةٍ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ - فِي الرِّضَا وَالإْرَادَة، بَلِ اشْتَرَطَتْ أَنْ يَكُونَ الرِّضَا غَيْرَ مَشُوبٍ بِعُيُوبِ الرِّضَا وَعُيُوبِ الإْرَادَة، مِنَ الْغِشِّ وَالتَّدْلِيسِ وَالاِسْتِغْلاَلِ وَالإْكْرَاهِ وَالْغَلَطِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) وَلِقَوْلِ الرَّسُولِ صلي الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» وَقَوْلِهِ: «لاَ يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ».

وَلِلتَّفْصِيلِ ر: مُصْطَلَحَ (رِضًا ف 13 وَمَا بَعْدَهَا).

كَذَلِكَ حَدَّدَ الْفُقَهَاءُ إِرَادَةَ الْمَالِكِ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ بِالثُّلُثِ إِذَا كَانَتْ تَصَرُّفَاتُهُ عَطَاءً وَهِبَةً، أَوْ مُحَابَاةً، أَوْ وَصِيَّةً .

ر: مُصْطَلَحَ (مَرَضُ الْمَوْتِ).

وَقَدْ قَيَّدَتِ الشَّرِيعَةُ إِرَادَةَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِي الْعُقُودِ الَّتِي فِيهَا ضَرَرٌ، أَوْ مِنْ شَأْنُهَا الضَّرَرُ عَلَى تَفْصِيلٍ يُرَاجَعُ فِيهِ مُصْطَلَحُ: (حَجْرٌ، سَفَهٌ ف 26 وَمَا بَعْدَهَا).

وَأَمَّا فِي حَالَةِ الْمَوْتِ فَإِنَّ جَمِيعَ أَمْوَالِ الْمَيِّتِ تَنْتَقِلُ إِلَى الْوَرَثَةِ حَسَبَ قَوَاعِدِ الْفَرَائِضِ، كَمَا أَنَّ وَصِيَّتَهُ تُنَفَّذُ فِي حُدُودِ الثُّلُثِ، وَتَنْتَقِلُ إِلَى الْمُوصَى إِلَيْهِمْ.

وَلِلتَّفْصِيلِ يُرَاجَعُ مُصْطَلَحُ (إِرْثٌ ف 14، وَصِيَّةٌ).

رَابِعًا - الْقُيُودُ الَّتِي أُعْطِيَتْ لِوَلِيِّ الأْمْرِ:

أَعْطَتِ الشَّرِيعَةُ الإْسْلاَمِ يَّةُ وَلِيَّ الأْمْرِ حَقَّ وَضْعِ قُيُودٍ عَلَى الْمِلْكِ وَمِنْ ذَلِكَ:

الأْوَّلُ - تَقْيِيدُ الْمِلْكِ الْخَاصِّ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ

14 - تُقِرُّ الشَّرِيعَةُ الْمِلْكَ لِلأْفْرَادِ وَتَحْمِيهِ وَتَصُونَهُ، وَمِعْيَارُ تَقْيِيدِهِ فِيهَا يَقُومُ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي لاَ تَخْتَصُّ بِوَاحِدٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ جَمَاعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَإِنَّمَا تَعُمُّ الْمُجْتَمَعَ، يَقُولُ الشَّاطِبِيُّ: لأِنَّ الْمَصَالِحَ الْعَامَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَصَالِحِ الْخَاصَّةِ .

فَحَقُّ الْمِلْكِ، وَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِصَاحِبِهِ، وَمِنْ حَقِّهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ كَمَا يَشَاءُ، إِلاَّ أَنَّ حَقَّ الْغَيْرِ مَصُونٌ وَمُحَافَظٌ عَلَيْهِ شَرْعًا، فَمُرَاعَاةُ مَصَالِحِ الآْخَرِينَ قَيْدٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْحُقُوقِ وَمِنْهَا الْمِلْكُ، يَقُولُ الشَّاطِبِيُّ: لأِنَّ طَلَبَ الإْنْسَانِ لِحَظِّهِ حَيْثُ أُذِنَ لَهُ لاَ بُدَّ فِيهِ مِنْ مُرَاعَاةِ حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْمَخْلُوقِينَ .

وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّفْعِ الْعَامِّ.

الثَّانِي - الْقُيُودُ الَّتِي أُعْطِيَتْ لِوَلِيِّ الأْمْرِ عَلَى حَقِّ التَّمَلُّكِ:

وَيَنْدَرِجُ تَحْتَهَا مَا يَلِي:

أ - إِحْيَاءُ الأْرْضِ الْمَوَاتِ:

15 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَمَلُّكِ الأْرْضِ الْمَوَاتِ بِالإْحْيَاءِ دُونَ إِذْنِ الإْمَامِ ، أَوْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ إِذْنُ الإْمَامِ لِتَمَلُّكِهَا، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي الإْحْيَاءِ إِذْنُ الإْمَامِ .

وَخَالَفَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ ف 14).

ب - تَمَلُّكُ الْمَعَادِنِ

16 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَعَادِنَ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ جَامِدَةً أَمْ سَائِلَةً، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ ظَاهِرَةً أَمْ فِي بَاطِنِ الأْرْضِ ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ مِلْكًا خَاصًّا أَمْ غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ فَهِيَ مِلْكٌ لِلدَّوْلَةِ (جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ) تَتَصَرَّفُ فِيهَا بِمَا يُحَقِّقُ الْمَصْلَحَةَ الْعَامَّةَ بِتَأْجِيرِهَا لِمُدَّةِ مَعْلُومَةٍ، أَوْ إِقْطَاعِهَا لاَ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ .

وَكَذَلِكَ الأْمْرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ فِي أَرْضِ الْمَوَاتِ، حَيْثُ لاَ تُمْلَكُ عِنْدَهُمْ بِالإْحْيَاءِ، لأِنَّ فِي ذَلِكَ إِضْرَارًا بِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمَعَادِنِ الْبَاطِنَةِ، فَلاَ تُمْلَكُ بِالإْحْيَاءِ عَلَى الرَّاجِحِ فِي الْمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَعَلَى أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ ف 29)

ج - الْحِمَى:

17 - الْحِمَى حَيْثُ هُوَ قَيْدٌ عَلَى الإْحْيَاءِ، فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحْمُوا لأِنْفُسِهِمْ شَيْئًا، وَلَكِنْ لَهُمْ أَنْ يَحْمُوا مَوَاضِعَ لِتَرْعَى فِيهَا خَيْلُ الْمُجَاهِدِينَ، وَنَعَمُ الْجِزْيَةِ وَإِبِلُ الصَّدَقَةِ وَضَوَالُّ النَّاسِ عَلَى وَجْهٍ لاَ يَتَضَرَّرُ بِهِ مَنْ سِوَاهُمْ.

ثُمَّ إِنَّ الْحِمَى نَفْسَهُ مُقَيَّدٌ بِالْمَصْلَحَةِ فَلاَ يَجُوزُ التَّوَسُّعُ فِيهِ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ ف 21، وَحِمًى ف 6).

الثَّالِثُ - الْقُيُودُ الَّتِي أُعْطِيَتْ لِوَلِيِّ الأْمْرِ عَلَى حَقِّ التَّصَرُّفِ فِي الْمِلْكِ:

لِوَلِيِّ الأْمْرِ الْحَقُّ فِي تَقْيِيدِ تَصَرُّفَاتِ الْمَالِكِ بِمَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ دُونَ ضَرَرٍ وَلاَ ضِرَارٍ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:

أ - التَّسْعِيرُ:

18 - التَّسْعِيرُ هُوَ تَقْدِيرُ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ لِلنَّاسِ سِعْرًا وَإِجْبَارُهُمْ عَلَى التَّبَايُعِ بِمَا قَدَّرَهُ. وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الأْصْلَ فِي التَّسْعِيرِ هُوَ الْحُرْمَةُ، أَمَّا جَوَازُ التَّسْعِيرِ فَمُقَيَّدٌ عِنْدَهُمْ بِشُرُوطِ مُعَيَّنَةٍ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (تَسْعِيرٌ ف 5 وَمَا بَعْدَهَا).

ب - الاِحْتِكَارُ:

19 - الاِحْتِكَارُ هُوَ شِرَاءُ طَعَامٍ وَنَحْوِهِ، وَحَبْسُهُ إِلَى الْغَلاَءِ. وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الاِحْتِكَارَ بِالْقُيُودِ الَّتِي اعْتَبَرَهَا كُلٌّ مِنْهُمْ مَحْظُورٌ، لِمَا فِيهِ مِنَ الإْضْرَارِ بِالنَّاسِ وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ يَأْمُرُ الْمُحْتَكِرَ بِإِخْرَاجِ مَا احْتَكَرَ إِلَى السُّوقِ وَبَيْعِهِ لِلنَّاسِ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (احْتِكَارٌ ف 12).

مَدَى سُلْطَانِ الدَّوْلَةِ فِي نَزْعِ الْمِلْكِ

20 - لِلدَّوْلَةِ الْحَقُّ فِي نَزْعِ الْمِلْكِ اسْتِثْنَاءً لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَ إِنْسَانٍ طَعَامٌ وَاضْطُرَّ النَّاسُ إِلَيْهِ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمْ .

وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

أَوَّلاً - اسْتِمْلاَكُ الأْرَاضِي الْمَمْلُوكَةِ مِلْكًا خَاصًّا لأِجْلِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ:

21 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا ضَاقَ الْمَسْجِدُ بِالنَّاسِ فَيَجُوزُ تَوْسِعَتُهُ عَلَى حِسَابِ الأْرَاضِي الْمَمْلُوكَةِ مِلْكًا خَاصًّا وَكَذَلِكَ الأْمْرُ إِذَا احْتَاجَ النَّاسُ إِلَى شَقِّ طُرُقٍ عَامَّةٍ أَوْ تَوْسِعَتِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَكِنْ لاَ بُدَّ مِنْ تَعْوِيضٍ عَادِلٍ يَقُومُ بِتَقْدِيرِهِ ذَوُو الْخِبْرَةِ.

وَقَدْ نَصَّتْ مَجَلَّةُ الأْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ: لَدَى الْحَاجَةِ يُؤْخَذُ مِلْكُ كَائِنٍ مَنْ كَانَ بِالْقِيمَةِ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ وَيُلْحَقُ بِالطَّرِيقِ، لَكِنْ لاَ يُؤْخَذُ مِنْ يَدِهِ مَا لَمْ يُؤَدِّ لَهُ الثَّمَنَ وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ رضي الله تعالي عنهم لَمَّا ضَاقَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ أَخَذُوا أَرَضِينَ بِكُرْهٍ مِنْ أَصْحَابِهَا بِالْقِيمَةِ وَزَادُوا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَبِفِعْلِ عُثْمَانَ رضي الله تعالي عنه فِي تَوْسِيعِهِ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم .

ثَانِيًا - نَزْعُ الْمِلْكِيَّةِ لأِجْلِ مَصْلَحَةِ الأْفْرَادِ:

22 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَتْ مَصْلَحَةٌ فَرْدِيَّةٌ مَعَ مَصْلَحَةٍ فَرْدِيَّةٍ أُخْرَى فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ تُقَدِّمُ أَقْوَاهُمَا وَأَوْلاَهُمَا بِالاِعْتِبَارِ وَأَكْثَرِهِمَا دَرْءًا لِلْمَفْسَدَةِ، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ أَجَازَتِ الشَّرِيعَةُ نَزْعَ الْمِلْكِ الْخَاصِّ، أَوِ التَّمَلُّكَ الْقَهْرِيَّ لأِجْلِ مَصْلَحَةٍ فَرْدِيَّةٍ فِي عِدَّةِ صُوَرٍ، مِنْهَا:

أ - الشُّفْعَةُ:

23 - الشُّفْعَةُ لُغَةً: الضَّمُّ، وَشَرْعًا: تَمْلِيكُ الْبُقْعَةِ جَبْرًا عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا قَامَ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ إِذَا كَانَ مِثْلِيًّا، وَإِلاَّ فَبِقِيمَتِهِ .

وَالشُّفْعَةُ ثَابِتَةٌ لِلشَّرِيكِ بِالاِتِّفَاقِ، وَلِلْجَارِ عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، حَيْثُ ذَهَبَ جُمْهُورُهُمُ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى عَدَمِ ثُبُوتِهَا لِلْجَارِ، فِي حِينِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى ثُبُوتِهَا لِلْجَارِ الْمُلاَصِقِ .

وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (شُفْعَةٌ ف 4 وَمَا بَعْدَهَا).

ب - بَيْعُ أَمْوَالِ الْمَدِينِ لِصَالِحِ الدَّائِنِ جَبْرًا عَلَيْهِ

24 - أَجَازَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - مَا عَدَا أَبَا حَنِيفَةَ - بَيْعَ أَمْوَالِ الْمَدِينِ لأِدَاءِ دُيُونِ الْغُرَمَاءِ مَا دَامَ لَهُ مَالٌ، حَيْثُ يَحْجُرُ الْقَاضِي عَلَيْهِ إِذَا طَلَبُوا ذَلِكَ، ثُمَّ يَبِيعُ الْقَاضِي مَالَهُ وَيُوَزِّعُهُ عَلَيْهِمْ حَسَبَ حِصَصِ دُيُونِهِمْ إِذَا امْتَنَعَ الْمَدِينُ عَنْ بَيْعِهِ بِنَفْسِهِ، وَذَلِكَ يَشْمَلُ جَمِيعَ الدُّيُونِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ دُيُونَ قَرْضٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ نَفَقَةٍ أَوْ دِيَةٍ أَوْ تَعْوِيضٍ .

ج - بَيْعُ الْمَرْهُونِ لأِدَاءِ الدَّيْنِ

25 - لِلْحَاكِمِ أَنْ يُجْبِرَ الرَّاهِنَ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ، أَوْ بَيْعِ الْمَرْهُونِ، فَإِنْ أَبَى يَقُومُ الْحَاكِمُ بِبَيْعِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (رَهْنٌ ف 24).

د - الأْشْيَاءُ الَّتِي لاَ تَنْقَسِمُ أَوْ فِي قِسْمَتِهَا ضَرَرٌ:

26 - يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُجْبِرَ عَلَى الْبَيْعِ مَنْ أَبَاهُ إِذَا طَلَبَ الْبَيْعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي الأْشْيَاءِ الَّتِي لاَ تَنْقَسِمُ أَوْ فِي قِسْمَتِهَا ضَرَرٌ فَإِذَا امْتَنَعَ بَاعَ عَنْهُ الْحَاكِمُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ اللاَّحِقِ بِالطَّالِبِ، لأِنَّهُ إِذَا بَاعَ نَصِيبَهُ مُفْرَدًا نَقَصَ ثَمَنُهُ .

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (قِسْمَةٌ ف 12 وَمَا بَعْدَهَا).

الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثالث ، الصفحة / 9

ارْتِفَاقٌ

التَّعْرِيفُ:

1 - مِنْ مَعَانِي الاِرْتِفَاقِ لُغَةً: الاِتِّكَاءُ. وَارْتَفَقَ بِالشَّيْءِ انْتَفَعَ بِهِ. وَمَرَافِقُ الدَّارِ: مَصَابُّ الْمَاءِ وَنَحْوُهَا، كَالْمَطْبَخِ وَالْكَنِيفِ

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ حَقٌّ مُقَرَّرٌ عَلَى عَقَارٍ لِمَنْفَعَةِ عَقَارٍ آخَرَ. وَعَرَّفَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ تَحْصِيلُ مَنَافِعَ تَتَعَلَّقُ بِالْعَقَارِ فَالاِرْتِفَاقُ عِنْدَهُمْ أَعَمُّ مِنْهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لأِنَّهُ يَشْمَلُ انْتِفَاعَ الشَّخْصِ بِالْعَقَارِ فَضْلاً عَنِ انْتِفَاعِ الْعَقَارِ بِالْعَقَارِ.

وَاَلَّذِي يُسْتَفَادُ مِمَّا أَوْرَدَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي صُوَرِ الاِرْتِفَاقِ أَنَّهُمْ يَتَّفِقُونَ مَعَ الْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ.

الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الاِخْتِصَاصُ:

2 - الاِخْتِصَاصُ: مَصْدَرٌ، اخْتَصَصْتُهُ بِالشَّيْءِ فَاخْتَصَّ هُوَ بِهِ وَمَتَى اخْتَصَّ شَخْصٌ بِشَيْءٍ فَقَدِ امْتَنَعَ عَلَى غَيْرِهِ الاِنْتِفَاعُ بِهِ إِلاَّ بِإِذْنٍ مِنْهُ، فَالْفَرْقُ، عَدَا شَرْطِ الإْذْنِ، هُوَ أَنَّ الاِرْتِفَاقَ تُتَصَوَّرُ فِيهِ الْمُشَارَكَةُ فِي الاِنْتِفَاعِ، خِلاَفًا لِلاِخْتِصَاصِ، كَمَا أَنَّ الاِرْتِفَاقَ تَغْلِبُ عَلَيْهِ الدَّيْمُومَةُ، أَمَّا الاِخْتِصَاصُ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ عَدَمُهَا.

ب - الْحِيَازَةُ أَوِ الْحَوْزُ:

3 - مِنْ مَعَانِي الْحِيَازَةِ أَوِ الْحَوْزِ لُغَةً: الْجَمْعُ وَالضَّمُّ.

وَاصْطِلاَحًا: وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ وَالاِسْتِيلاَءُ عَلَيْهِ.

ج - الْحُقُوقُ:

4 - الْحُقُوقُ جَمْعُ حَقٍّ، وَالْحَقُّ لُغَةً: الأْمْرُ الثَّابِتُ الْمَوْجُودُ. وَاصْطِلاَحًا يَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ فِيمَا ثَبَتَ لإِنْسَانٍ بِمُقْتَضَى الشَّرْعِ مِنْ أَجْلِ صَالِحِهِ.

وَمِمَّا فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْحُقُوقِ وَالْمَرَافِقِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَقَارِ مَا نَقَلَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَمَا يُذْكَرُ فِي دَعْوَى الْعَقَارِ مِنْ قَوْلِهِ بِحُقُوقِهِ وَمَرَافِقِهِ: فَحُقُوقُهُ عِبَارَةٌ عَنْ مَسِيلِ الْمَاءِ وَطَرِيقِ غَيْرِهِ وِفَاقًا، وَمَرَافِقُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مَنَافِعُ الدَّارِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الْمَرَافِقُ: هِيَ الْحُقُوق.

فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْمَرَافِقُ وَالْحُقُوقُ سَوَاءٌ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْمَرَافِقُ أَعَمُّ، لأِنَّهَا تَوَابِعُ الدَّارِ مِمَّا يُرْتَفَقُ بِهِ، كَالْمُتَوَضِّئِ، وَالْمَطْبَخِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ، وَحَقُّ الشَّيْءِ تَابِعٌ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ، كَالطَّرِيقِ وَالشُّرْبِ فَهُوَ أَخَصُّ.

صِفَتُهُ (الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ):

5 - الْحُكْمُ الأْصْلِيُّ لِلاِرْتِفَاقِ الإْبَاحَةُ، مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُرْتَفِقِ ضَرَرٌ، أَوْ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ لِدَفْعِ ضَرَرٍ، أَمَّا الإْرْفَاقُ فَهُوَ مَنْدُوبٌ لِحَضِّهِ عَلَيْهِ، حَيْثُ قَالَ: «لاَ يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ» وَقَالَ صلي الله عليه وسلم «لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ خَافَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ».

أَنْوَاعُهُ مِنْ حَيْثُ قَابِلِيَّةُ رُجُوعِ الْمُرْفِقِ:

6 - الإْرْفَاقُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَحْدُودًا بِزَمَنٍ كَسَنَةٍ، أَوْ عَشْرِ سِنِينَ، أَوْ إِلَى الأْبَدِ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ اُتُّبِعَ، وَكَانَ لاَزِمًا لِلْمُرْفِقِ، لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْمُدَّةِ الْمُحَدَّدَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الإْرْفَاقُ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِأَجَلٍ، وَحِينَئِذٍ يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ قَدْرُ مَا يُعَدُّ ارْتِفَاقًا بَيْنَ الْجِيرَانِ، بِأَنْ يَتْرُكَ مُدَّةً يَنْتَفِعُ فِيهَا عَادَةً أَمْثَالُهُ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الإْرْفَاقُ بِالْغَرْزِ، أَوْ فَتْحِ بَابٍ، أَوْ سَقْيِ مَاءٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَإِعَادَةِ عَرْصَةٍ لِلْبِنَاءِ.

وَيَأْتِي تَفْصِيلُ أَحْكَامِ الرُّجُوعِ فِي (ف 24)

أَسْبَابُ الاِرْتِفَاقِ:

7 - يَنْشَأُ الاِرْتِفَاقُ عَنْ إِذْنِ الشَّارِعِ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلأْمْوَالِ الْعَامَّةِ، أَوِ الْمُبَاحَاتِ كَإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَغَيْرِهِ، أَوْ إِذْنِ الْمَالِكِ بِالنِّسْبَةِ لِلأْمْوَالِ الْخَاصَّةِ، أَوْ بِاقْتِضَاءِ التَّصَرُّفِ بِثُبُوتِ الاِرْتِفَاقِ كَمَا فِي الإْجَارَةِ وَالْوَقْفِ، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطِ الاِنْتِفَاعَ بِحُقُوقِ الاِرْتِفَاقِ، وَقَدْ يَثْبُتُ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ دُونَ مَعْرِفَةِ سَبَبِ نُشُوئِهِ، وَذَلِكَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ عَلَيْهِ.

الاِرْتِفَاقُ بِالْمَنَافِعِ الْعَامَّةِ وَالأْوْلَوِيَّةُ فِيهِ:

8 - صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ: يَجُوزُ الاِرْتِفَاقُ بِالْقُعُودِ فِي الْوَاسِعِ مِنَ الشَّوَارِعِ وَالطُّرُقَاتِ وَالرِّحَابِ بَيْنَ الْعُمْرَانِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَلَى وَجْهٍ لاَ يَضِيقُ عَلَى أَحَدٍ، وَلاَ يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ، لاِتِّفَاقِ أَهْلِ الأْمْصَارِ فِي جَمِيعِ الأْعْصَارِ عَلَى إِقْرَارِ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ، وَلأِنَّهُ ارْتِفَاقٌ مُبَاحٌ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ كَالاِجْتِيَازِ. قَالَ أَحْمَدُ فِي السَّابِقِ إِلَى دَكَاكِينِ السُّوقِ (أَيِ الأْمَاكِنِ الْمُعَدَّةِ لِلْبَاعَةِ غَيْرِ الدَّائِمِينَ) غَدْوَةً: فَهُوَ لَهُ إِلَى اللَّيْلِ. وَكَانَ هَذَا فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ فِيمَا مَضَى. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم «مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ» وَلَهُ أَنْ يُظَلِّلَ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا لاَ ضَرَرَ فِيهِ... فَإِنْ قَامَ وَتَرَكَ مَتَاعَهُ فِيهِ لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ إِزَالَتُهُ، لأِنَّ يَدَ الأْوَّلِ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَقَلَ مَتَاعَهُ كَانَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقْعُدَ فِيهِ، لأِنَّ يَدَهُ قَدْ زَالَتْ، وَإِنْ قَعَدَ وَأَطَالَ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ، لأِنَّهُ يَصِيرُ كَالْمُتَمَلِّكِ، وَيَخْتَصُّ بِنَفْعٍ يُسَاوِيهِ فِيهِ غَيْرُهُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لاَ يُزَالُ، لأِنَّهُ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ. وَإِنْ اسْتَبَقَ اثْنَانِ إِلَيْهِ احْتَمَلَ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُقَدِّمَ الإْمَامُ مَنْ يَرَى مِنْهُمَا. وَإِنْ كَانَ الْجَالِسُ يُضَيِّقُ عَلَى الْمَارَّةِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْجُلُوسُ فِيهِ، وَلاَ يَحِلُّ لِلإْمَامِ تَمْكِينُهُ بِعِوَضٍ وَلاَ غَيْرِهِ.

وَبِنَحْوِ ذَلِكَ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ قَالَ الرَّمْلِيُّ: (وَمَنْ أَلِفَ مِنْ مَسْجِدٍ أَوْ مَدْرَسَةٍ مَوْضِعًا يُفْتِي فِيهِ النَّاسَ، أَوْ يُقْرِئُ فِيهِ قُرْآنًا، أَوْ عِلْمًا شَرْعِيًّا، أَوْ آلَةً لَهُ، أَوْ لِتَعَلُّمِ مَا ذُكِرَ كَسَمَاعِ دَرْسٍ بَيْنَ يَدَيْ مُدَرِّسٍ فَهُوَ كَالْجَالِسِ فِي الشَّارِعِ لِمُعَامَلَةٍ، لَكِنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِأَنْ يُفِيدَ أَوْ يَسْتَفِيدَ. بَلْ هُوَ أَوْلَى مِمَّنْ يَجْلِسُ فِي الشَّارِعِ لِمُعَامَلَةٍ، لأِنَّ لَهُ غَرَضًا فِي مُلاَزَمَةِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِيَأْلَفَهُ النَّاسُ. وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ وَطَنًا... مَخْصُوصٌ بِمَا عَدَا ذَلِكَ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ إِذْنُ الإْمَامِ، وَإِذَا غَابَ الْمُدَرِّسُ فَلِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِي مَكَانِهِ، حَتَّى لاَ تَتَعَطَّلَ مَنْفَعَتُهُ).

وَلَوْ سَبَقَ رَجُلٌ إِلَى مَوْضِعٍ مِنْ رِبَاطٍ مُسَبَّلٍ وَانْطَبَقَ عَلَيْهِ شَرْطُهُ، أَوْ فَقِيهٌ إِلَى مَدْرَسَةٍ، أَوْ مُتَعَلِّمُ قُرْآنٍ إِلَى مَا بُنِيَ لَهُ، أَوْ صُوفِيٌّ إِلَى خَانِقَاهُ لَمْ يُزْعَجْ وَلَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ مِنْهُ بِخُرُوجِهِ لِشِرَاءِ حَاجَةٍ وَنَحْوِهِ مِنَ الأْعْذَارِ، وَلَوْ لَمْ يَتْرُكْ مَتَاعًا وَلاَ نَائِبًا. وَمَتَى عَيَّنَ الْوَاقِفُ مُدَّةً لِلإْقَامَةِ فَلَيْسَ لِلْمُرْتَفِقِ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، إِلاَّ إِذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْبَلَدِ مَنْ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ شَرْطُ الْوَاقِفِ، لأِنَّ الْعُرْفَ يَشْهَدُ بِأَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يُرِدْ خُلُوَّ الْمَدْرَسَةِ، وَكَذَا يُعْمَلُ بِالْعُرْفِ فِي كُلِّ شَرْطٍ شَرَطَهُ الْوَاقِفُ، وَلاَ يُزَادُ فِي رِبَاطٍ مُدَّةٌ عَلَى ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مَا لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ.

9 - هَذَا وَقَدْ فَصَّلَ كُلٌّ مِنَ الْمَاوَرْدِيِّ وَأَبِي يَعْلَى بَيَانَ الاِرْتِفَاقِ بِالْمَنَافِعِ الْعَامَّةِ وَلاَ سِيَّمَا مِنْ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَى إِذْنِ السُّلْطَانِ أَوْ عَدَمُهَا فَقَالاَ: وَأَمَّا الإْرْفَاقُ فَهُوَ مِنِ ارْتِفَاقِ النَّاسِ بِمَقَاعِدِ الأْسْوَاقِ، وَأَفْنِيَةِ الشَّوَارِعِ، وَحَرِيمِ الأْمْصَارِ، وَمَنَازِلِ الأْسْفَارِ فَتَنْقَسِمُ ثَلاَثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَخْتَصُّ الاِرْتِفَاقُ فِيهِ بِالصَّحَارِيِ وَالْفَلَوَاتِ، وَقِسْمٌ يَخْتَصُّ الاِرْتِفَاقُ فِيهِ بِأَفْنِيَةِ الأْمْلاَكِ، وَقِسْمٌ يَخْتَصُّ بِالشَّوَارِعِ وَالطُّرُقَاتِ.

وَالْقِسْمُ الأْوَّلُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ لاِجْتِيَازِ السَّابِلَةِ وَاسْتِرَاحَةِ الْمُسَافِرِينَ فِيهِ فَلاَ نَظَرَ لِلسُّلْطَانِ فِيهِ لِبُعْدِهِ عَنْهُ وَضَرُورَةِ السَّابِلَةِ فِيهِ. وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ السُّلْطَانُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ إِصْلاَحُ عَوْرَتِهِ «خَلَلِهِ» وَحِفْظُ مِيَاهِهِ، وَالتَّخْلِيَةُ بَيْنَ النَّاسِ وَنُزُولُهُ، وَيَكُونُ السَّابِقُ إِلَى الْمَنْزِلِ أَحَقَّ بِحُلُولِهِ مِنَ الْمَسْبُوقِ حَتَّى يَرْتَحِلَ. فَإِنْ وَرَدُوهُ عَلَى سَوَاءٍ وَتَنَازَعُوا فِيهِ، نَظَرَ فِي التَّعْدِيلِ بَيْنَهُمْ بِمَا يُزِيلُ تَنَازُعَهُمْ. وَكَذَلِكَ الْبَادِيَةُ إِذَا انْتَجَعُوا أَرْضًا طَلَبًا لِلْكَلأَ وَارْتِفَاقًا بِالْمَرْعَى وَانْتِقَالاً مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ كَانُوا فِيمَا تَرَكُوهُ وَارْتَحَلُوا عَنْهُ كَالسَّابِلَةِ لاَ اعْتِرَاضَ عَلَيْهِمْ فِي تَنَقُّلِهِمْ وَرَعْيِهِمْ.

وَالضَّرْبُ الثَّانِي. أَنْ يَقْصِدُوا بِنُزُولِهِمْ بِهَا الإْقَامَةَ وَالاِسْتِيطَانَ، فَلِلسُّلْطَانِ فِي نُزُولِهِمْ بِهَا نَظَرٌ يُرَاعَى فِيهِ الأْصْلَحُ فَإِنْ كَانَ مُضِرًّا بِالسَّابِلَةِ مُنِعُوا مِنْهَا قَبْلَ النُّزُولِ وَبَعْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالسَّابِلَةِ رَاعَى الأْصْلَحَ فِي نُزُولِهِمْ بِهَا أَوْ مَنَعَهُمْ مِنْهَا وَنَقَلَ غَيْرَهُمْ إِلَيْهَا، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ حِينَ مَصَّرَ الْبَصْرَةَ وَالْكُوفَةَ. نَقَلَ إِلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمِصْرَيْنِ مَنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، لِئَلاَّ يَجْتَمِعَ فِيهِ الْمُسَافِرُونَ، فَيَكُونَ سَبَبًا لاِنْتِشَارِ الْفِتْنَةِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ، كَمَا يُفْعَلُ فِي إِقْطَاعِ الْمَوَاتِ مَا يُرَى، فَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنُوهُ حَتَّى نَزَلُوا فِيهِ لَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْهُ. كَمَا لاَ يَمْنَعُ مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا بِغَيْرِ إِذْنِهِ. وَدَبَّرَهُمْ بِمَا يَرَاهُ صَلاَحًا لَهُمْ، وَنَهَاهُمْ عَنْ إِحْدَاثِ زِيَادَةٍ مِنْ بَعْدُ، إِلاَّ عَنْ إِذْنِهِ. رَوَى كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي عُمْرَتِهِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، فَكَلَّمَهُ أَهْلُ الْمِيَاهِ فِي الطَّرِيقِ أَنْ يَبْنُوا مَنَازِلَ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ فَأَذِنَ لَهُمْ، وَاشْتَرَطَ أَنَّ ابْنَ السَّبِيلِ أَحَقُّ بِالْمَاءِ وَالظِّلِّ.

الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ مَا يَخْتَصُّ بِأَفْنِيَةِ الدُّورِ وَالأْمْلاَكِ. يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ مُضِرًّا بِأَرْبَابِهَا مُنِعَ الْمُرْتَفِقُ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُضِرٍّ بِهِمْ فَفِي إِبَاحَةِ ارْتِفَاقِهِمْ بِهِ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ قَوْلاَنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَهُمُ الاِرْتِفَاقَ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ أَرْبَابُهَا، لأِنَّ الْحَرِيمَ مِرْفَقٌ إِذَا وَصَلَ أَهْلُهُ إِلَى حَقِّهِمْ مِنْهُ سَاوَاهُمْ النَّاسُ فِيمَا عَدَاهُ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِرْتِفَاقُ بِحَرِيمِهِمْ إِلاَّ عَنْ إِذْنِهِمْ، لأِنَّهُ تَبَعٌ لأِمْلاَكِهِمْ فَكَانُوا بِهِ أَحَقَّ وَبِالتَّصَرُّفِ فِيهِ أَخَصَّ.

وَأَمَّا حَرِيمُ الْمَسَاجِدِ وَالْجَوَامِعِ فَيُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ الاِرْتِفَاقُ بِهَا مُضِرًّا بِأَهْلِ الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ مُنِعُوا مِنْهُ، وَلَمْ يَجُزْ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ، لأِنَّ الْمُصَلِّينَ بِهَا أَحَقُّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُضِرًّا جَازَ ارْتِفَاقُهُمْ بِحَرِيمِهَا.

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَا اخْتَصَّ بِأَفْنِيَةِ الشَّوَارِعِ وَالطُّرُقَاتِ فَكِلاَهُمَا فِيهِ لاَ يَخْرُجُ عَمَّا سَبَق.

حُقُوقُ الاِرْتِفَاقِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ:

10 - تَبَيَّنَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يُطْلِقُونَ الاِرْتِفَاقَ عَلَى مَا يَرْتَفِقُ بِهِ، وَيَخْتَصُّ بِمَا هُوَ مِنْ التَّوَابِعِ، كَالشُّرْبِ وَمَسِيلِ الْمَاءِ وَالطَّرِيقِ وَالْمُرُورِ وَالْمَجْرَى وَالْجِوَارِ، وَأَنَّ أَبَا يُوسُفَ خَصَّ الاِرْتِفَاقَ بِمَنَافِعِ الدَّارِ. وَلِكُلٍّ مِنَ الْمَرَافِقِ الْمَذْكُورَةِ مُصْطَلَحٌ خَاصٌّ بِهِ، وَلِذَلِكَ فَيَكْفِي هُنَا أَنْ يَعْرِفَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَرَافِقِ، وَيُبَيِّنَ حُكْمَهُ، عَلَى أَنْ يَتْرُكَ التَّفْصِيلَ لِلْمُصْطَلَحَاتِ الْخَاصَّةِ.

الشُّرْبُ:

11 - الشُّرْبُ: لُغَةً النَّصِيبُ مِنَ الْمَاءِ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ النَّصِيبُ مِنَ الْمَاءِ لِلأْرَاضِيِ لاَ لِغَيْرِهَا.

وَرُكْنُهُ الْمَاءُ لأِنَّهُ يَقُومُ بِهِ.

وَشَرْطُ حِلِّهِ أَنْ يَكُونَ ذَا حَظٍّ مِنَ الشُّرْبِ.

وَحُكْمُهُ الإْرْوَاءُ، لأِنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ مَا يُفْعَلُ لأِجْلِهِ.

مَسِيلُ الْمَاءِ:

12 - الْمَسِيلُ: الْمَجْرَى وَمَسِيلُ الْمَاءِ مَجْرَاهُ وَإِذَا كَانَ لِشَخْصٍ مَجْرَى مَاءٍ جَارٍ أَوْ سِيَاقِ مَاءٍ بِحَقٍّ قَدِيمٍ فِي مِلْكِ شَخْصٍ آخَرَ فَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ مَنْعُهُ. وَإِذَا كَانَ لِدَارٍ مَسِيلُ مَطَرٍ عَلَى دَارِ جَارٍ مِنْ قَدِيمٍ فَلَيْسَ لِلْجَارِ مَنْعُهُ، وَصُورَةُ حَقِّ الْمَسِيلِ أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ أَرْضٌ لَهَا مَجْرَى مَاءٍ فِي أَرْضٍ أُخْرَى.

حَقُّ التَّسْيِيلِ:

13 - صُورَتُهُ أَنْ تَكُونَ لِشَخْصٍ دَارٌ لَهَا حَقُّ تَسْيِيلِ

الْمَاءِ عَلَى أَسْطُحَةِ دَارٍ أُخْرَى، أَوْ عَلَى أَرْضِ دَارٍ أُخْرَى

الطَّرِيقُ:

14 - فِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ أَنَّ الطُّرُقَ ثَلاَثَةٌ: طَرِيقٌ إِلَى الطَّرِيقِ الأْعْظَمِ، وَطَرِيقٌ إِلَى سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ، وَطَرِيقٌ خَاصٌّ فِي مِلْكِ إِنْسَانٍ وَسَيَأْتِي أَحْكَامُ التَّصَرُّفِ فِيهَا.

حَقُّ الْمُرُورِ:

15 - هُوَ أَنْ يَكُونَ لِشَخْصٍ حَقُّ الْمُرُورِ فِي أَرْضِ شَخْصٍ آخَرَ.

وَالْحُكْمُ فِيهِ مَا نَصَّتْ عَلَيْهِ الْمَادَّةُ (1225) مِنْ مَجَلَّةِ الأْحْكَامِ: «إِذَا كَانَ لأِحَدٍ حَقُّ الْمُرُورِ فِي عَرْصَةِ آخَرَ، فَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْعَرْصَةِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الْمُرُورِ وَالْعُبُورِ».

وَقَدْ نَصَّتِ الْمَادَّةُ (1224) عَلَى حُكْمٍ عَامٍّ يَتَعَلَّقُ بِثُبُوتِ الْحُقُوقِ فِي الْمَرَافِقِ، هُوَ: «يُعْتَبَرُ الْقِدَمُ فِي حَقِّ الْمُرُورِ وَحَقِّ الْمَجْرَى وَحَقِّ الْمَسِيلِ. يَعْنِي تُتْرَكُ هَذِهِ الأْشْيَاءُ وَتَبْقَى عَلَى وَجْهِهَا الْقَدِيمِ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ، لأِنَّ الشَّيْءَ الْقَدِيمَ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ بِحُكْمِ الْمَادَّةِ (6) وَلاَ يَتَغَيَّرُ إِلاَّ أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلاَفِهِ. أَمَّا الْقَدِيمُ الْمُخَالِفُ لِلشَّرْعِ فَلاَ اعْتِبَارَ لَهُ. يَعْنِي إِذَا كَانَ الشَّيْءُ الْمَعْمُولُ بِهِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ فِي الأْصْلِ فَلاَ اعْتِبَارَ لَهُ وَإِنْ كَانَ قَدِيمًا، وَيُزَالُ إِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ فَاحِشٌ. مَثَلاً إِذَا كَانَ لِدَارٍ مَسِيلٌ قَذِرٌ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ، وَلَوْ مِنَ الْقَدِيمِ، وَكَانَ فِيهِ ضَرَرٌ لِلْمَارَّةِ فَإِنَّ ضَرَرَهُ يُرْفَعُ، وَلاَ اعْتِبَارَ لِقِدَمِهِ».

وَفِي شَرْحِ الْمَادَّةِ قَالَ الأْتَاسِيُّ: (وَكَذَا لاَ اعْتِبَارَ لِقِدَمِهِ إِذَا كَانَ غَيْرَ مَشْرُوعٍ،) وَإِنْ كَانَ ضَرَرُهُ خَاصًّا. كَمَا إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ كَوَّةٌ تُشْرِفُ عَلَى مَقَرِّ نِسَاءِ جَارِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ إِزَالَةُ الضَّرَرِ، وَإِنْ كَانَ قَدِيمًا، كَمَا أَفْتَى فِي الْحَامِدِيَّةِ قَائِلاً: وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ حَيْثُ كَانَ الضَّرَرُ بَيِّنًا، فَلَوْ كَانَ مَشْرُوعًا كَمَا إِذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّ الْجَارَ أَحْدَثَ الْبِنَاءَ بَعْدَ أَنْ كَانَتِ الْكَوَّةُ تُشْرِفُ عَلَى أَرْضٍ سَبْخَةٍ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ إِزَالَةُ الضَّرَرِ.

حَقُّ التَّعَلِّي:

16 - نَصَّتِ الْمَادَّةُ (1198) مِنَ الْمَجَلَّةِ عَلَى أَنَّ (كُلَّ أَحَدٍ لَهُ التَّعَلِّي عَلَى حَائِطِهِ الْمِلْكِ، وَبِنَاءُ مَا يُرِيدُ، وَلَيْسَ لِجَارِهِ مَنْعُهُ مَا لَمْ يَكُنْ ضَرَرًا فَاحِشًا).

وَقَالَ الأْتَاسِيُّ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ: (وَلاَ عِبْرَةَ بِزَعْمِهِ أَنَّهُ يَسُدُّ عَنْهُ الرِّيحَ وَالشَّمْسَ، كَمَا أَفْتَى بِهِ فِي الْحَامِدِيَّةِ، لأِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الضَّرَرِ الْفَاحِشِ. وَفِي الأْنْقِرَوِيَّةِ: لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى حَائِطِ نَفْسِهِ أَزْيَدَ مِمَّا كَانَ، وَلَيْسَ لِجَارِهِ مَنْعُهُ وَإِنْ بَلَغَ عَنَانَ السَّمَاءِ). أَقُولُ: هَذَا مُسَلَّمٌ إِذَا كَانَ التَّعَلِّي يَسُدُّ الرِّيحَ وَالشَّمْسَ عَنْ مِثْلِ سَاحَةِ دَارِ الْجَارِ. أَمَّا إِذَا كَانَ يَسُدُّهُمَا عَنْ سَطْحِ بَيْتِهِ الْمُسَقَّفِ بِالْخَشَبِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْهُ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ الْمُتَأَخِّرُونَ.

حَقُّ الْجِوَارِ:

17 - نَصَّتِ الْمَادَّةُ (1201) مِنَ الْمَجَلَّةِ عَلَى أَنَّ: (مَنْعَ الْمَنَافِعِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنَ الْحَوَائِجِ الأْصْلِيَّةِ، كَسَدِّ الْهَوَاءِ وَالنَّظَّارَةِ، أَوْ مَنْعِ دُخُولِ الشَّمْسِ لَيْسَ بِضَرَرٍ فَاحِشٍ، لَكِنْ سَدُّ الضِّيَاءِ بِالْكُلِّيَّةِ ضَرَرٌ فَاحِشٌ. فَإِذَا أَحْدَثَ رَجُلٌ بِنَاءً فَسُدَّ بِسَبَبِهِ شُبَّاكُ بَيْتِ جَارِهِ، وَصَارَ بِحَالٍ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ مَعَهَا مِنَ الظُّلْمَةِ، فَلَهُ أَنْ يُكَلَّفَ رَفْعُهُ لِلضَّرَرِ الْفَاحِشِ، وَلاَ يُقَالُ: الضِّيَاءُ مِنَ الْبَابِ كَافٍ، لأِنَّ بَابَ الْبَيْتِ يُحْتَاجُ إِلَى غَلْقِهِ لِلْبَرْدِ وَغَيْرِهِ مِنَ الأْسْبَابِ. وَإِنْ كَانَ لِهَذَا الْمَحَلِّ شُبَّاكَانِ فَسُدَّ أَحَدُهُمَا بِإِحْدَاثِ ذَلِكَ الْبِنَاءِ فَلاَ يَضُرُّ ضَرَرًا فَاحِشًا.

وَالْعِلَّةُ فِي الْمَنْعِ هُوَ تَحَقُّقُ الضَّرَرِ الْفَاحِشِ، فَإِذَا تَحَقَّقَ مُنِعَ الْعَمَلُ، وَإِلاَّ أُبِيحَ.

تِلْكَ هِيَ حُقُوقُ الاِرْتِفَاقِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.

18 - وَيُمْكِنُ إِنْشَاءُ حُقُوقِ ارْتِفَاقٍ أُخْرَى غَيْرِهَا حَسْبَمَا يَجْرِي الْعُرْفُ وَاسْتِعْمَالُ النَّاسِ، فَإِنْ حَدَثَتْ حُقُوقُ ارْتِفَاقٍ أُخْرَى بِالاِسْتِعْمَالِ تُطَبَّقُ عَلَيْهَا الأْحْكَامُ السَّابِقَةُ، فَفِي وَسَائِلِ الْمُوَاصَلاَتِ الْعَامَّةِ مَثَلاً كَالْقِطَارَاتِ وَالطَّيَّارَاتِ وَالسَّيَّارَاتِ، وَالْمَقَاعِدِ فِي الأْمَاكِنِ الْعَامَّةِ وَغَيْرِهَا، إِمَّا أَنْ يُخَصَّصَ مَقْعَدٌ مُعَيَّنٌ لِكُلِّ رَاكِبٍ أَوْ لاَ، فَإِنْ خُصِّصَ لِكُلِّ رَاكِبٍ مَقْعَدٌ مُعَيَّنٌ فَلاَ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ. وَأَمَّا إِذَا لَمْ تُعَيَّنْ الْمَقَاعِدُ لِلرَّاكِبِينَ فَلِكُلِّ رَاكِبٍ أَنْ يَجْلِسَ فِي الْمَقْعَدِ الَّذِي سَبَقَ إِلَيْهِ، وَهَكَذَا الأَْمْرُ فِي كُلِّ مَا كَانَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.

19 - هَذَا وَقَدْ أَوْرَدَ فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَحْكَامَ الْمَرَافِقِ السَّابِقَةِ، لَكِنْ تَحْتَ عَنَاوِينَ أُخْرَى غَيْرِ الاِرْتِفَاقِ، حَيْثُ أَوْرَدَهَا الْمَالِكِيَّةُ فِي بَابِ (نَفْيُ الضَّرَرِ وَسَدُّ الذَّرَائِعِ)، وَأَوْرَدَهَا الشَّافِعِيَّةُ فِي بَابِ (تَزَاحُمُ الْحُقُوقِ) وَأَوْرَدَهَا الْحَنَابِلَةُ فِي بَابِ (الصُّلْحُ)

التَّصَرُّفُ فِي حُقُوقِ الاِرْتِفَاقِ:

20 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الطَّرِيقَ نَوْعَانِ: نَافِذٌ، وَغَيْرُ نَافِذٍ. فَالطَّرِيقُ النَّافِذُ مُبَاحٌ لاَ يُمْلَكُ لأَِحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَلِكُلٍّ مِنْهُمْ فَتْحُ بَابِ مِلْكِهِ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ، فَلِلْعَامَّةِ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِمَا لاَ يَضُرُّ الْمَارَّةَ.

وَأَمَّا غَيْرُ النَّافِذِ فَهُوَ مِلْكُ مَنْ نَفَذَتْ أَبْوَابُهُمْ إِلَيْهِ، لاَ مَنْ لاَصَقَهُ جُدْرَانُهُمْ مِنْ غَيْرِ نُفُوذِ أَبْوَابِهِمْ إِلَيْهِ، فَمَنْ نَفَذَتْ أَبْوَابُهُمْ إِلَيْهِ فَهُمُ الْمُلاَّكُ وَهُمْ شُرَكَاءُ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِمْ إِشْرَاعُ جَنَاحٍ فِيهِ، أَوْ بَابٍ لِلاِسْتِطْرَاقِ إِلاَّ بِرِضَاهُمْ. وَهَذَا فِي الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.

21 - وَقَدْ أَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بَيْعَ الشُّرْبِ، أَوْ بَعْضَهُ، وَبَيْعَ حُقُوقِ الأَْمْلاَكِ، كَحَقِّ الْمُرُورِ، وَحَقِّ الْمَجْرَى، وَحَقِّ التَّعَلِّي، لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ، وَجَوَّزُوا الْعَقْدَ عَلَى الْمَنَافِعِ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْدُومَةً، إِرْفَاقًا بِالنَّاسِ، لَكِنِ اشْتَرَطُوا فِي حَقِّ إِجْرَاءِ الْمَاءِ عَلَى السُّطُوحِ وَإِجَارَتِهِ وَإِعَارَتِهِ أَنْ تُعْرَفَ السُّطُوحُ الَّتِي يَجْرِي عَلَيْهَا وَمِنْهَا، كَمَا أَجَازُوا إِعَارَةَ الْعُلُوِّ مِنْ جِدَارٍ وَنَحْوِهِ لِلْبِنَاءِ عَلَيْهِ، وَإِجَارَتَهُ لِذَلِكَ كَسَائِرِ الأَْعْيَانِ الَّتِي تُعَارُ وَتُؤْجَرُ، فَإِنْ بَاعَهُ حَقَّ الْبِنَاءِ أَوِ الْعُلُوِّ الْمَعْلُومِ اسْتَحَقَّ الْمُشْتَرِي الْبِنَاءَ عَلَيْهِ.

22 - أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ جَاءَ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ أَنَّ الطُّرُقَ ثَلاَثَةٌ:

طَرِيقٌ إِلَى الطَّرِيقِ الأْعْظَمِ، وَطَرِيقٌ إِلَى سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ، وَطَرِيقٌ خَاصٌّ فِي مِلْكِ إِنْسَانٍ، فَالأْخِيرُ لاَ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ بِلاَ ذِكْرِهِ أَوْ ذِكْرِ الْحُقُوقِ أَوِ الْمَرَافِقِ. وَالأْوَّلاَنِ يَدْخُلاَنِ بِلاَ ذِكْرٍ. وَالْمُرَادُ بَيْعُ رَقَبَةِ الطَّرِيقِ لاَ حَقِّ الْمُرُورِ، فَإِذَا كَانَتْ دَارُهُ دَاخِلَ دَارِ رَجُلٍ، وَكَانَ لَهُ طَرِيقٌ فِي دَارِ ذَلِكَ الرَّجُلِ إِلَى دَارِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهَا حَقُّ الْمُرُورِ فَقَطْ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ رَقَبَةُ الطَّرِيقِ، فَإِذَا بَاعَ رَقَبَةَ الطَّرِيقِ صَحَّ، فَإِنْ حَدَّ فَظَاهِرٌ، وَإِلاَّ فَلَهُ بِقَدْرِ عَرْضِ الْبَابِ الْعُظْمَى.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الطَّرِيقِ وَاَلَّذِي يَكُونُ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ أَنَّ الطَّرِيقَ الأْوَّلَ مِلْكٌ لِلْبَائِعِ، وَالثَّانِي مُشْتَرَكٌ بَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ السِّكَّةِ، وَفِيهِ أَيْضًا حَقٌّ لِلْعَامَّةِ.

وَلاَ يُبَاعُ الشُّرْبُ وَلاَ يُوهَبُ وَلاَ يُؤْجَرُ وَلاَ يُتَصَدَّقُ بِهِ إِلاَّ تَبَعًا لِلأْرْضِ، لأِنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَنُقِلَ عَنْ شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ أَنَّ بَعْضَهُمْ جَوَّزَ بَيْعَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَيَنْفُذُ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ بَيْعِهِ.

23 - أَمَّا حَقُّ الْمَسِيلِ فَإِذَا كَانَ مُحَدَّدًا بِبَيَانِ الْمِقْدَارِ الَّذِي يَسِيلُ فِيهِ الْمَاءُ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ، وَإِذَا كَانَ غَيْرَ مُبَيَّنٍ فَلاَ يَجُوزُ لِلْجَهَالَةِ. أَمَّا بَيْعُ الرَّقَبَةِ فَيَجُوزُ مِنْ غَيْرِ بَيْعِ حَقِّ الْمَسِيلِ مَعَهُ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ تَحْدِيدُهُ، وَيَصِحُّ بَيْعُ حَقِّ الْمُرُورِ تَبَعًا لِلأْرْضِ بِلاَ خَوْفٍ، وَيَصِحُّ بَيْعُهُ وَحْدَهُ فِي رِوَايَةٍ، وَبِهِ أَخَذَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ، قَالَ السَّائِحَانِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.

وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ حَقِّ التَّعَلِّي، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَقِّ الْمُرُورِ، أَنَّ حَقَّ الْمُرُورِ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ الأْرْضِ وَهِيَ مَالٌ هُوَ عَيْنٌ، أَمَّا حَقُّ التَّعَلِّي فَمُتَعَلِّقٌ بِالْهَوَاءِ، وَهُوَ لَيْسَ بِعَيْنٍ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُ حَقِّ الْمُرُورِ

وَحْدَهُ وَصَحَّحَهُ أَبُو اللَّيْثِ.

وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ حَقِّ الشُّرْبِ إِلاَّ تَبَعًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْفَتْحِ، وَظَاهِرُ كَلاَمِهِمْ أَنَّهُ بَاطِلٌ، قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فَاسِدًا لاَ بَاطِلاً، لأِنَّ بَيْعَهُ يَجُوزُ فِي رِوَايَةٍ، وَبِهِ أَخَذَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ.

أَحْكَامُ رُجُوعِ الْمُرْفِقِ وَأَثَرِهِ عَلَى الاِرْتِفَاقِ:

24 - الْمُعْتَمَدُ فِي الإْرْفَاقِ بِالْغَرْزِ أَنَّهُ لاَ رُجُوعَ فِيهِ بَعْدَ الإْذْنِ، طَالَ الزَّمَانُ أَوْ قَصُرَ، عَاشَ أَوْ مَاتَ (الْمُرْتَفِقُ)، إِلاَّ أَنْ يَنْهَدِمَ الْجِدَارُ فَلاَ يُعِيدُ الْغَرْزَ إِلاَّ بِإِرْفَاقٍ جَدِيدٍ، وَأَمَّا إِعَادَةُ الْعَرْصَةِ لِلْبِنَاءِ فَالرَّاجِحُ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ حَيْثُ لَمْ يُقَيَّدْ بِأَجَلٍ، وَلَوْ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ مَا يُرْفَقُ وَيُعَارُ لِمِثْلِهِ فِي الْعَادَةِ، وَلَكِنْ عَلَى الْمُرْفِقِ دَفْعُ مَا أَنْفَقَ الْمُرْتَفِقُ أَوْ قِيمَتِهِ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَرْصَةِ وَالْجِدَارِ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَى الْقَضَاءَ بِإِعَارَةِ الْجِدَارِ إِذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهُ مَتَى لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي الإْعَارَةِ ضَرَرٌ، وَهُوَ قَوْلُ الإْمَامِ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ حَنْبَلٍ.

وَمَا ذُكِرَ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَرْصَةِ مِنْ جَوَازِ الرُّجُوعِ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.

وَجَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ زَرْقُونٍ حُكْمَ الْعَرْصَةِ جَارِيًا فِي الْجِدَارِ أَيْضًا، لأِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَنْفَعَةٌ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ رِجَالٍ فَقَالَ: قَدْ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمَذْهَبَ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْجِدَارِ وَالْعَرْصَةِ فِي أَنَّ لِكُلٍّ مِنْ صَاحِبَيْهِمَا الرُّجُوعَ حَيْثُ لَمْ يُقَيَّدْ بِأَجَلٍ بَعْدَ أَنْ يُعْطِيَ الْمُرْفِقُ كُلًّا مِنْهُمَا مَا أَنْفَقَهُ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ إِلاَّ بَعْدَ مُدَّةٍ يَرْتَفِقُ فِيهَا الْمُعَارُ، فَهُنَاكَ إِذَنْ رَأْيَانِ فِي جَوَازِ الرُّجُوعِ فِي الْعَرْصَةِ.

الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثاني عشر ، الصفحة / 292

التَّعَلِّي فِي اللُّغَةِ لَهُ مَعَانٍ، مِنْهَا: أَنَّهُ مِنَ الْعُلُوِّ، وَهُوَ: الاِرْتِفَاعُ وَعُلُوُّ كُلِّ شَيْءٍ وَعُلْوُهُ وَعِلْوُهُ: أَرْفَعُهُ. وَعَلاَ الشَّيْءُ عُلُوًّا فَهُوَ عَلِيٌّ: ارْتَفَعَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : فَإِذَا هُوَ يَتَعَلَّى عَنِّي: أَيْ يَتَرَفَّعُ عَلَيَّ. وَتَعَالَى: تَرَفَّعَ. وَتَعَلَّى: أَيْ عَلاَ فِي مُهْلَةٍ .

وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ عَنْ هَذَا، إِذْ يُرَادُ بِهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: رَفْعُ بِنَاءٍ فَوْقَ بِنَاءٍ آخَرَ.

أَحْكَامُ حَقِّ التَّعَلِّي :

2 - حَقُّ التَّعَلِّي: إِمَّا أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ صَاحِبُهُ لِنَفْسِهِ، وَإِمَّا يَبِيعُهُ لِغَيْرِهِ.

أَمَّا اسْتِعْمَالُهُ لِنَفْسِهِ: فَقَدْ نَصَّتِ الْمَادَّةُ (1198) مِنْ مَجَلَّةِ الأْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ عَلَى أَنَّ: كُلَّ أَحَدٍ لَهُ التَّعَلِّي عَلَى حَائِطِهِ الْمِلْكِ، وَبِنَاءُ مَا يُرِيدُ، وَلَيْسَ لِجَارِهِ مَنْعُهُ مَا لَمْ يَكُنْ ضَرَرًا فَاحِشًا.

وَقَالَ الأْتَاسِيُّ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ: وَلاَ عِبْرَةَ بِزَعْمِهِ أَنَّهُ يَسُدُّ عَنْهُ الرِّيحَ وَالشَّمْسَ، كَمَا أَفْتَى بِهِ فِي الْحَامِدِيَّةِ؛ لأِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الضَّرَرِ الْفَاحِشِ. وَفِي الأْنْقِرَوِيَّةِ: لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى حَائِطِ نَفْسِهِ أَزْيَدَ مِمَّا كَانَ، وَلَيْسَ لِجَارِهِ مَنْعُهُ وَإِنْ بَلَغَ عَنَانَ السَّمَاءِ .

وَأَمَّا بَيْعُهُ لِغَيْرِهِ فَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ): إِلَى جَوَازِهِ عَلَى التَّفْصِيلِ التَّالِي:

أَجَازَهُ الْمَالِكِيَّةُ مَتَى كَانَ الْمَبِيعُ قَدْرًا مُعَيَّنًا، كَعَشْرَةِ أَذْرُعٍ مَثَلاً مِنْ مَحَلِّ هَوَاءٍ، فَوْقَ مَحَلٍّ مُتَّصِلٍ بِأَرْضٍ أَوْ بِنَاءٍ، بِأَنْ كَانَ لِشَخْصٍ أَرْضٌ خَالِيَةٌ مِنَ الْبِنَاءِ أَرَادَ الْبِنَاءَ بِهَا، أَوْ كَانَ لَهُ بِنَاءٌ أَرَادَ الْبِنَاءَ عَلَيْهِ، فَيَشْتَرِي شَخْصٌ مِنْهُ قَدْرًا مُعَيَّنًا مِنَ الْفَرَاغِ الَّذِي يَكُونُ فَوْقَ الْبِنَاءِ الَّذِي أَرَادَ إِحْدَاثَهُ، فَيَجُوزُ مَتَى وَصَفَ الْبِنَاءَ الَّذِي أُرِيدَ إِحْدَاثُهُ أَسْفَل وَأَعْلَى، لِيَقِلَّ الضَّرَرُ؛ لأِنَّ صَاحِبَ الأْسْفَلِ رَغْبَتُهُ فِي خِفَّةِ الأْعْلَى، وَصَاحِبُ الأْعْلَى رَغْبَتُهُ فِي مَتَانَةِ الأْسْفَلِ، وَلِصَاحِبِ الْبِنَاءِ الأْعْلَى الاِنْتِفَاعُ بِمَا فَوْقَ بِنَائِهِ بِغَيْرِ الْبِنَاءِ، إِذْ يَمْلِكُ جَمِيعَ الْهَوَاءِ الَّذِي فَوْقَ بِنَاءِ الأْسْفَلِ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الأْسْفَلِ الاِنْتِفَاعُ بِمَا فَوْقَ بِنَاءِ الأْعْلَى، لاَ بِالْبِنَاءِ وَلاَ بِغَيْرِهِ.

وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيَّةُ، مَتَى كَانَ الْمَبِيعُ حَقَّ الْبِنَاءِ أَوِ الْعُلْوِ: بِأَنْ قَالَ لَهُ: بِعْتُكَ حَقَّ الْبِنَاءِ أَوِ الْعُلْوِ لِلْبِنَاءِ عَلَيْهِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا بَاعَهُ وَشَرَطَ أَنْ لاَ يَبْنِيَ عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْبِنَاءِ عَلَيْهِ. لَكِنْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَنْتَفِعَ بِمَا عَدَا الْبِنَاءَ مِنْ مُكْثٍ وَغَيْرِهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ السُّبْكِيُّ، تَبَعًا لِلْمَاوَرْدِيِّ.

وَأَجَازَهُ الْحَنَابِلَةُ، وَلَوْ قَبْلَ بِنَاءِ الْبَيْتِ الَّذِي اشْتَرَى عُلْوَهُ، إِذَا وَصَفَ الْعُلْوَ وَالسُّفْلَ لِيَكُونَا مَعْلُومَيْنِ، لِيَبْنِيَ الْمُشْتَرِي أَوْ يَضَعُ عَلَيْهِ بُنْيَانًا أَوْ خَشَبًا مَوْصُوفَيْنِ، وَإِنَّمَا صَحَّ ذَلِكَ لأِنَّ الْعُلْوَ مِلْكٌ لِلْبَائِعِ، فَكَانَ لَهُ بَيْعُهُ، وَالاِعْتِيَاضُ عَنْهُ، كَالْقَرَارِ .

وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ: فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ بَيْعَ حَقِّ التَّعَلِّي غَيْرُ جَائِزٍ، لأِنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلاَ هُوَ حَقٌّ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَالِ، بَلْ حَقٌّ مُتَعَلِّقٌ بِالْهَوَاءِ (أَيِ الْفَرَاغِ) وَلَيْسَ الْهَوَاءُ مَا لاَ يُبَاعُ، إِذِ الْمَالُ مَا يُمْكِنُ قَبْضُهُ وَإِحْرَازُهُ. وَصُورَتُهُ: أَنْ يَكُونَ السُّفْلُ لِرَجُلٍ، وَعُلْوُهُ لآِخَرَ، فَسَقَطَا أَوْ سَقَطَ الْعُلْوُ وَحْدَهُ فَبَاعَ صَاحِبُ الْعُلْوِ عُلْوَهُ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ؛ لأِنَّ الْمَبِيعَ حِينَئِذٍ لَيْسَ إِلاَّ حَقُّ التَّعَلِّي.

وَعَلَى هَذَا: فَلَوْ بَاعَ الْعُلْوَ قَبْلَ سُقُوطِهِ جَازَ، فَإِنْ سَقَطَ قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْبَيْعُ، لِهَلاَكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَهُوَ بَعْدَ سُقُوطِهِ بَيْعٌ لِحَقِّ التَّعَلِّي، وَهُوَ لَيْسَ بِمَالٍ. فَلَوْ كَانَ الْعُلْوُ لِصَاحِبِ السُّفْلِ فَقَالَ: بِعْتُك عُلْوَ هَذَا السُّفْلِ بِكَذَا صَحَّ، وَيَكُونُ سَطْحُ السُّفْلِ لِصَاحِبِ السُّفْلِ، وَلِلْمُشْتَرِي حَقُّ الْقَرَارِ، حَتَّى لَوِ انْهَدَمَ الْعُلْوُ كَانَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ عُلْوًا آخَرَ، مِثْلُ الأْوَّلِ؛ لأِنَّ السُّفْلَ اسْمٌ لِمَبْنًى مُسَقَّفٍ، فَكَانَ سَطْحُ السُّفْلِ سَقْفًا لِلسُّفْلِ .

أَحْكَامُ الْعُلْوِ وَالسُّفْلِ فِي الاِنْهِدَامِ وَالْبِنَاءِ :

3 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ: إِلَى أَنَّ السُّفْلَ إِنِ انْهَدَمَ بِنَفْسِهِ بِلاَ صُنْعِ صَاحِبِهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْبِنَاءِ، لِعَدَمِ التَّعَدِّي، فَلَوْ هَدَمَهُ يُجْبَرُ عَلَى بِنَائِهِ؛ لأِنَّهُ تَعَدَّى عَلَى صَاحِبِ الْعُلْوِ، وَهُوَ قَرَارُ الْعُلْوِ، وَلِذِي الْعُلْوِ أَنْ يَبْنِيَ السُّفْلَ ثُمَّ يَرْجِعَ بِمَا أَنْفَقَ إِنْ بَنَى بِإِذْنِهِ أَوْ إِذْنِ قَاضٍ، وَإِلاَّ فَبِقِيمَةِ الْبِنَاءِ يَوْمَ بَنَى.

وَمَتَى بَنَى صَاحِبُ الْعُلْوِ السُّفْلَ: كَانَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ صَاحِبَ السُّفْلِ مِنَ السُّكْنَى، حَتَّى يَدْفَعَ إِلَيْهِ مِثْلَ مَا أَنْفَقَهُ فِي بِنَاءِ سُفْلِهِ لِكَوْنِهِ مُضْطَرًّا.

فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا حَقٌّ فِي مِلْكِ الآْخَرِ: لِذِي الْعُلْوِ حَقُّ قَرَارِهِ، وَلِذِي السُّفْلِ حَقُّ دَفْعِ الْمَطَرِ وَالشَّمْسِ عَنِ السُّفْلِ، وَلَوْ هَدَمَ ذُو السُّفْلِ سُفْلَهُ وَذُو الْعُلْوِ عُلْوَهُ، أُلْزِمَ ذُو السُّفْلِ بِبِنَاءِ سُفْلِهِ، إِذْ فَوَّتَ عَلَى صَاحِبِ الْعُلْوِ حَقًّا أُلْحِقَ بِالْمِلْكِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ فَوَّتَ عَلَيْهِ مِلْكًا.

فَإِذَا بَنَى ذُو السُّفْلِ سُفْلَهُ وَطَلَب مِنْ ذِي الْعُلْوِ بِنَاءَ عُلْوِهِ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ؛ لأِنَّ لِذِي السُّفْلِ حَقًّا فِي الْعُلْوِ، وَأَمَّا لَوِ انْهَدَمَ الْعُلْوُ بِلاَ صُنْعِهِ فَلاَ يُجْبَرُ لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ، كَمَا لَوِ انْهَدَمَ السُّفْلُ بِلاَ تَعَدٍّ، وَسَقْفُ السُّفْلِ لِذِي السُّفْلِ .

4 - وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ السُّفْلَ إِنْ وَهَى وَأَشْرَفَ عَلَى السُّقُوطِ وَخِيفَ سُقُوطُ بِنَاءٍ عَلَيْهِ لآِخَرَ غَيْرِ صَاحِبِ السُّفْلِ - فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَى صَاحِبِ السُّفْلِ أَنْ يُعَمِّرَ سُفْلَهُ فَإِنْ أَبَى قُضِيَ عَلَيْهِ بِبَيْعِهِ لِمَنْ يُعَمِّرُهُ، فَإِنْ سَقَطَ الأْعْلَى عَلَى الأْسْفَلِ فَهَدَمَهُ أُجْبِرَ رَبُّ الأْسْفَلِ عَلَى الْبِنَاءِ، أَوِ الْبَيْعِ مِمَّنْ يَبْنِي، لِيَبْنِيَ رَبُّ الْعُلْوِ عُلْوَهُ عَلَيْهِ. وَعَلَى ذِي السُّفْلِ التَّعْلِيقُ لِلأْعْلَى - أَيْ حَمْلُهُ عَلَى خَشَبٍ وَنَحْوِهِ - حَتَّى يَبْنِيَ السُّفْلَ، وَعَلَيْهِ السَّقْفُ السَّاتِرُ لِسُفْلِهِ، إِذْ لاَ يُسَمَّى السُّفْلُ بَيْتًا إِلاَّ بِهِ، وَلِذَا فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهِ لِصَاحِبِ السُّفْلِ عِنْدَ التَّنَازُعِ. وَأَمَّا الْبَلاَطُ الَّذِي فَوْقَهُ: فَهُوَ لِصَاحِبِ الأْعْلَى.

وَيُقْضَى عَلَى ذِي الْعُلْوِ بِعَدَمِ زِيَادَةِ بِنَاءِ الْعُلْوِ عَلَى السُّفْلِ؛ لأِنَّ هَا تَضُرُّ السُّفْلَ، إِلاَّ الشَّيْءَ الْخَفِيفَ الَّذِي لاَ يَضُرُّ السُّفْلَ حَالاً وَمَآلاً، وَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ لأِهْلِ الْمَعْرِفَةِ .

5 - وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ: أَنَّهُ لَوِ انْهَدَمَ حِيطَانُ السُّفْلِ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهِ أَنْ يُجْبِرَ صَاحِبَ الْعُلْوِ عَلَى الْبِنَاءِ قَوْلاً وَاحِدًا؛ لأِنَّ حِيطَانَ السُّفْلِ لِصَاحِبِ السُّفْلِ، فَلاَ يُجْبَرُ صَاحِبُ الْعُلْوِ عَلَى بِنَائِهِ.

وَهَلْ لِصَاحِبِ الْعُلْوِ إِجْبَارُ صَاحِبِ السُّفْلِ عَلَى الْبِنَاءِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ قِيلَ: يُجْبَرُ، أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ - وَلَهُ مَالٌ - بَاعَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ مَالَهُ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اقْتَرَضَ عَلَيْهِ. فَإِذَا بَنَى الْحَائِطَ كَانَ الْحَائِطُ مِلْكًا لِصَاحِبِ السُّفْلِ؛ لأِنَّهُ بُنِيَ لَهُ، وَتَكُونُ النَّفَقَةُ فِي ذِمَّتِهِ، وَيُعِيدُ صَاحِبُ الْعُلْوِ غُرْفَتَهُ عَلَيْهِ، وَتَكُونُ نَفَقَةُ الْغُرْفَةِ وَحِيطَانُهَا مِنْ مِلْكِ صَاحِبِ الْعُلْوِ دُونَ صَاحِبِ السُّفْلِ؛ لأِنَّ هَا مِلْكُهُ، لاَ حَقَّ لِصَاحِبِ السُّفْلِ فِيهِ.

وَأَمَّا السَّقْفُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَمَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ مَالِهِمَا، فَإِنْ تَبَرَّعَ صَاحِبُ الْعُلْوِ، وَبَنَى مِنْ غَيْرِ إِذْنِ الْحَاكِمِ، لَمْ يَرْجِعْ صَاحِبُ الْعُلْوِ عَلَى صَاحِبِ السُّفْلِ بِشَيْءٍ. ثُمَّ يُنْظَرُ: فَإِنْ كَانَ قَدْ بَنَاهَا بِآلَتِهَا كَانَتِ الْحِيطَانُ لِصَاحِبِ السُّفْلِ، لأِنَّ الآْلَةَ كُلَّهَا لَهُ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْعُلْوِ مَنْعُهُ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِهَا، وَلاَ يَمْلِكُ نَقْضُهَا؛ لأِنَّ هَا لِصَاحِبِ السُّفْلِ، وَلَهُ أَنْ يُعِيدَ حَقَّهُ مِنَ الْغُرْفَةِ. وَإِنْ بَنَاهَا بِغَيْرِ آلَتِهَا كَانَتِ الْحِيطَانُ لِصَاحِبِ الْعُلْوِ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ السُّفْلِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا مِنْ غَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِ الْعُلْوِ، وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يَسْكُنَ فِي قَرَارِ السُّفْلِ؛ لأِنَّ الْقَرَارَ لَهُ، وَلِصَاحِبِ الْعُلْوِ أَنْ يَنْقُضَ مَا بَنَاهُ مِنَ الْحِيطَانِ؛ لأِنَّهُ لاَ حَقَّ لِغَيْرِهِ فِيهَا، فَإِنْ بَذَلَ صَاحِبُ السُّفْلِ الْقِيمَةَ لِيَتْرُكَ نَقْضَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهَا؛ لأِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ بِنَاؤُهَا قَوْلاً وَاحِدًا، فَلاَ يَلْزَمُهُ تَبْقِيَتُهَا بِبَذْلِ الْعِوَضِ .

6 - وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ كَانَ السُّفْلُ لِرَجُلٍ وَالْعُلْوُ لآِخَرَ، فَانْهَدَمَ السَّقْفُ الَّذِي بَيْنَهُمَا، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا الْمُبَانَاةَ مِنَ الآْخَرِ، فَامْتَنَعَ، فَهَلْ يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَى ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. كَالْحَائِطِ بَيْنَ الْبَيْتَيْنِ.

وَإِنِ انْهَدَمَتْ حِيطَانُ السُّفْلِ فَطَالَبَهُ صَاحِبُ الْعُلْوِ بِإِعَادَتِهَا، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ:

إِحْدَاهُمَا: يُجْبَرُ. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يُجْبَرُ عَلَى الْبِنَاءِ وَحْدَهُ؛ لأِنَّهُ مِلْكُهُ خَاصَّةً.

وَالثَّانِيَةُ: لاَ يُجْبَرُ، وَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الْعُلْوِ بِنَاءَهُ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا، فَإِنْ بَنَاهُ بِآلَتِهِ فَهُوَ عَلَى مَا كَانَ، وَإِنْ بَنَاهُ بِآلَةٍ مِنْ عِنْدِهِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: لاَ يَنْتَفِعُ بِهِ صَاحِبُ السُّفْلِ، يَعْنِي حَتَّى يُؤَدِّيَ الْقِيمَةَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ لاَ يَسْكُنَ، لأِنَّ الْبَيْتَ إِنَّمَا يُبْنَى لِلسَّكَنِ فَلَمْ يَمْلِكْهُ كَغَيْرِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الاِنْتِفَاعَ بِالْحِيطَانِ خَاصَّةً مِنْ طَرْحِ الْخَشَبِ وَسَمْرِ الْوَتَدِ وَفَتْحِ الطَّاقِ، وَيَكُونُ لَهُ السُّكْنَى مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ؛ لأِنَّ السُّكْنَى إِنَّمَا هِيَ إِقَامَتُهُ فِي الْفِنَاءِ بَيْنَ الْحِيطَانِ مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ فِيهَا، فَأَشْبَهَ الاِسْتِظْلاَلَ بِهَا مِنْ خَارِجٍ.

فَأَمَّا إِنْ طَالَبَ صَاحِبُ السُّفْلِ بِالْبِنَاءِ، وَأَبَى صَاحِبُ الْعُلْوِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:

إِحْدَاهُمَا: لاَ يُجْبَرُ عَلَى بِنَائِهِ، وَلاَ مُسَاعَدَتِهِ لأِنَّ الْحَائِطَ مِلْكُ صَاحِبِ السُّفْلِ مُخْتَصٌّ بِهِ، فَلَمْ يُجْبَرْ غَيْرُهُ عَلَى بِنَائِهِ وَلاَ الْمُسَاعَدَةِ فِيهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عُلْوٌ.

وَالثَّانِيَةُ: يُجْبَرُ عَلَى مُسَاعَدَتِهِ وَالْبِنَاءِ مَعَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ؛ لأِنَّهُ حَائِطٌ يَشْتَرِكَانِ فِي الاِنْتِفَاعِ بِهِ، أَشْبَهَ الْحَائِطَ بَيْنَ الدَّارَيْنِ .

الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الرابع عشر ، الصفحة / 203

تَوَهُّمٌ

التَّعْرِيفُ:

1 - التَّوَهُّمُ فِي اللُّغَةِ: الظَّنُّ.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ عَرَّفَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ: تَجْوِيزُ وُجُودِ الشَّيْءِ فِي الذِّهْنِ تَجْوِيزًا مَرْجُوحًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: التَّوَهُّمُ يَجْرِي مَجْرَى الظُّنُونِ، يَتَنَاوَلُ الْمُدْرَكَ وَغَيْرَ الْمُدْرَكِ.

الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - التَّصَوُّرُ:

2 - التَّصَوُّرُ هُوَ حُصُولُ صُورَةِ الشَّيْءِ فِي الْعَقْلِ، وَإِدْرَاكُ الْمَاهِيَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهَا بِنَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ . وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّوَهُّمِ وَالتَّصَوُّرِ: أَنَّ تَصَوُّرَ الشَّيْءِ يَكُونُ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ، وَتَوَهُّمَهُ لاَ يَكُونُ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ؛ لأِنَّ التَّوَهُّمَ مِنْ قَبِيلِ التَّجْوِيزِ، وَالتَّجْوِيزُ يُنَافِي الْعِلْمَ.

ب - الظَّنُّ:

3 - الظَّنُّ هُوَ الاِعْتِقَادُ الرَّاجِحُ مَعَ احْتِمَالِ النَّقِيضِ، وَيُسْتَعْمَلُ أَيْضًا فِي الْيَقِينِ وَالشَّكِّ.

وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْوَهْمَ الطَّرَفُ الْمَرْجُوحُ مُطْلَقًا

وَقِيلَ: الظَّنُّ أَحَدُ طَرَفَيِ الشَّكِّ بِصِفَةِ الرُّجْحَانِ

وَقِيلَ: الظَّنُّ الطَّرَفُ الرَّاجِحُ الْمُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ، الْوَهْمُ: الطَّرَفُ الرَّاجِحُ غَيْرُ الْمُطَابِقِ لِلْوَاقِعِ .

ج - الشَّكُّ:

4 - الشَّكُّ هُوَ التَّرَدُّدُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ بِلاَ تَرْجِيحٍ لأِحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ عِنْدَ الشَّاكِّ

وَقِيلَ: الشَّكُّ مَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ، وَهُوَ الْوُقُوفُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لاَ يَمِيلُ الْقَلْبُ إِلَى أَحَدِهِمَا، فَإِذَا تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُطْرَحِ الآْخَرُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْيَقِينِ.

د - الْيَقِينُ:

5 - الْيَقِينُ فِي اللُّغَةِ: الْعِلْمُ الَّذِي لاَ شَكَّ فِيهِ.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: اعْتِقَادُ الشَّيْءِ بِأَنَّهُ كَذَا، مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ إِلاَّ كَذَا، مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ غَي ْرَ مُمْكِنِ الزَّوَالِ.

الْحُكْمُ الإْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

6 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاء ِ فِي أَنَّ التَّوَهُّمَ بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ لاَ عِبْرَةَ لَهُ فِي الأَْحْكَامِ، فَكَمَا لاَ يَثْبُتُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ اسْتِنَادًا عَلَى وَهْمٍ، لاَ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الشَّيْءِ الثَّابِتِ بِصُورَةٍ قَطْعِيَّةٍ بِوَهْمٍ طَارِئٍ.

مِثَالُ ذَلِكَ: إِذَا تُوُفِّيَ الْمُفْلِسُ، تُبَاعُ أَمْوَالُهُ وَتُقْسَمُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ تُوُهِّمَ أَنَّهُ رُبَّمَا ظَهَرَ غَرِيمٌ آخَرُ جَدِيدٌ؛ لأِنَّهُ لاَ عِبْرَةَ لِلتَّوَهُّمِ .

وَكَمَا إِذَا ظَنَّ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ مِنْ صَلاَةٍ، وَتَوَهَّمَ شَغْلَهَا بِهَا فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ. إِذْ لاَ عِبْرَةَ لِلْوَهْمِ .

وَيُذْكَرُ التَّوَهُّمُ وَيُرَادُ بِهِ مَا يُقَابِلُ الْيَقِينَ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ بِقَوْلِهِمْ: فَإِنْ تَيَقَّنَ الْمُسَافِرُ فَقْدَ الْمَاءِ تَيَمَّمَ بِلاَ طَلَبٍ وَإِنْ تَوَهَّمَهُ (أَيْ وَقَعَ فِي وَهْمِهِ: أَيْ ذِهْنِهِ، بِأَنْ جَوَّزَ وُجُودَ ذَلِكَ تَجْوِيزًا رَاجِحًا وَهُوَ الظَّنُّ، أَوْ مَرْجُوحًا وَهُوَ الْوَهْمُ، أَوْ مُسْتَوِيًا وَهُوَ الشَّكُّ) طَلَبَهُ .

وَقَدْ يُعْمَلُ بِالْوَهْمِ فِي حَالِ شَغْلِ الذِّمَّةِ وَتَوَهُّمِ بَرَاءَتِهَا، وَهِيَ لاَ تَبْرَأُ إِلاَّ بِالْيَقِينِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ بِقَوْلِهِمْ: «إِذَا ظَنَّ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ مِنْ صَلاَةٍ، وَتَوَهَّمَ شَغْلَهَا بِهَا، فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ، بِخِلاَفِ مَنْ ظَنَّ تَمَامَ صَلاَتِهِ، وَتَوَهَّمَ بَقَاءَ رَكْعَةٍ مِنْهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِالْوَهْمِ» .

وَتَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ عَنْ قَاعِدَةِ «لاَ عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ» . وَقَاعِدَةِ «لاَ عِبْرَةَ بِالتَّوَهُّمِ» وَفَرَّعُوا عَلَيْهِمَا مَسَائِلَ كَثِيرَةً يَخْتَلِفُ حُكْمُهَا بِاخْتِلاَفِ الْمَوَاطِنِ، وَلاَ يُمْكِنُ حَصْرُهَا فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ فَيُرْجَعُ إِلَى مَظَانِّهَا فِي كُلِّ مَذْهَبٍ.

قَالَ صَاحِبُ دُرَرِ الْحُكَّامِ شَرْحِ مَجَلَّةِ الأْحْكَامِ عِنْدَ قَاعِدَةِ (لاَ عِبْرَةَ لِلتَّوَهُّمِ) مَا نَصُّهُ:

يُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّهُ كَمَا لاَ يَثْبُتُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ اسْتِنَادًا عَلَى وَهْمٍ لاَ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الشَّيْءِ الثَّابِتِ بِصُورَةٍ قَطْعِيَّةٍ بِوَهْمٍ طَارِئٍ.

مِثَالُ ذَلِكَ: إِذَا تُوُفِّيَ الْمُفْلِسُ تُبَاعُ أَمْوَالُهُ وَتُقْسَمُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَإِنْ تُوُهِّمَ أَنَّهُ رُبَّمَا ظَهَرَ غَرِيمٌ آخَرُ جَدِيدٌ، وَالْوَاجِبُ مُحَافَظَةً عَلَى حُقُوقِ ذَلِكَ الدَّائِنِ الْمَجْهُولِ، أَلاَّ تُقْسَمَ، وَلَكِنْ لأِنَّهُ لاَ اعْتِبَارَ لِلتَّوَهُّمِ تُقْسَمُ الأْمْوَالُ عَلَى الْغُرَمَاءِ، وَمَتَى ظَهَرَ غَرِيمٌ جَدِيدٌ يَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْهُمْ حَسَبَ الأْصُولِ الْمَشْرُوعَةِ.

كَذَا إِذَا بِيعَتْ دَارٌ وَكَانَ لَهَا جَارَانِ لِكُلٍّ حَقُّ الشُّفْعَةِ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ فَادَّعَى الشَّفِيعُ الْحَاضِرُ الشُّفْعَةَ فِيهَا يُحْكَمُ لَهُ بِذَلِكَ، وَلاَ يَجُوزُ إِرْجَاءُ الْحُكْمِ بِدَاعِي أَنَّ الْغَائِبَ رُبَّمَا طَلَبَ الشُّفْعَةَ فِي الدَّارِ الْمَذْكُورَةِ. كَذَلِكَ إِذَا كَانَ لِدَارِ شَخْصٍ نَافِذَةٌ عَلَى أُخْرَى لِجَارِهِ تَزِيدُ عَلَى طُولِ الإْنْسَانِ فَجَاءَ الْجَارُ طَالِبًا سَدَّ تِلْكَ النَّافِذَةِ بِدَاعِي أَنَّهُ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يَأْتِيَ صَاحِبُ النَّافِذَةِ بِسُلَّمِ وَيُشْرِفَ عَلَى مَقَرِّ النِّسَاءِ فَلاَ يُلْتَفَتُ لِطَلَبِهِ. وَكَذَا لاَ يُلْتَفَتُ لِطَلَبِهِ فِيمَا لَوْ وَضَعَ جَارُهُ فِي غُرْفَةٍ مُجَاوِرَةٍ لَهُ تِبْنًا وَطَلَبَ رَفْعَهُ بِدَاعِي أَنَّهُ مِنَ الْمُحْتَمَلِ أَنْ تَعْلَقَ بِهِ النَّارُ فَتَحْتَرِقَ دَارُهُ.

كَذَا: إِذَا جَرَحَ شَخْصٌ آخَرَ ثُمَّ شُفِيَ الْمَجْرُوحُ مِنْ جُرْحِهِ تَمَامًا وَعَاشَ مُدَّةً ثُمَّ تُوُفِّيَ فَادَّعَى وَرَثَتُهُ بِأَنَّهُ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ وَالِدُهُمْ مَاتَ بِتَأْثِيرِ الْجُرْحِ فَلاَ تُسْمَعُ دَعْوَاهُمْ .

الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / التاسع والثلاوثون ، الصفحة / 396

الْخُصُومَةُ فِي الْمِيزَابِ:

الْخُصُومَةُ فِي إِخْرَاجِ الْمَيَازِيبِ إِلَى الطَّرِيقِ

3 - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ إِلَى الطَّرِيقِ الأْعْظَمِ مِيزَابًا فَلِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ عُرْضِ النَّاسِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا أَنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الْوَضَعِ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ إِذَا أَرَادَ الْوَضْعَ بِغَيْرِ إِذْنِ الإْمَامِ لأِنَّ فِيهِ الاِفْتِيَاتَ عَلَى رَأْيِ الإْمَامِ فِيمَا إِلَيْهِ تَدْبِيرُهُ فَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لَيْسَ لأِحَدٍ حَقُّ الْمَنْعِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ، لأِنَّهُ مَأْذُونٌ فِي إِحْدَاثِهِ شَرْعًا فَهُوَ كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ الإْمَامُ .

الْخُصُومَةُ فِي رَفْعِ الْمِيزَابِ:

4 - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ أَخْرَجَ إِلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ مِيزَابًا فَلِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْخُصُومَةِ - كَالْمُسْلِمِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ الْحُرِّ أَوِ الذِّمِّيِّ - مُطَالَبَتُهُ بِالنَّقْضِ لأِنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمُ الْمُرُورَ بِنَفْسِهِ وَبِدَوَابِّهِ فَيَكُونُ لَهُ الْخُصُومَةُ بِنَقْضِهِ كَمَا فِي الْمِلْكِ الْمُشْتَرَكِ.

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَيْسَ لأِحَدِ ذَلِكَ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَظَاهِرٌ لأِنَّهُ جَعَلَهُ كَالْمَأْذُونِ مِنَ الإْمَامِ فَلاَ يَرْفَعُهُ أَحَدٌ، وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَإِنَّهُ يَقُولُ كَانَ قَبْلَ الْوَضْعِ لِكُلِّ أَحَدٍ يَدٌ فِيهِ فَالَّذِي يُحْدِثُ يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي يَدِ نَفْسِهِ خَاصَّةً، أَمَا بَعْدَ الْوَضْعِ فَقَدْ صَارَ فِي يَدِهِ فَالَّذِي يُخَاصِمُهُ يُرِيدُ إِبْطَالَ يَدِهِ مِنْ غَيْرِ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ مُتَعَنِّتٌ .

وَقَالَ الأْتَاسِيُّ: دُورٌ فِي طَرِيقٍ لَهَا مَيَازِيبُ مِنَ الْقَدِيمِ مُنَصَّبَةٌ عَلَى ذَلِكَ الطَّرِيقِ، وَمِنْهُ تَمْتَدُّ إِلَى عَرْصَةٍ وَاقِعَةٍ فِي أَسْفَلِهِ جَارِيَةٍ مِنَ الْقَدِيمِ، لَيْسَ لِصَاحِبِ الْعَرْصَةِ سَدُّ ذَلِكَ الْمَسِيلِ الْقَدِيمِ، فَإِنْ سَدَّهُ يُرْفَعُ السَّدُّ مِنْ طَرَفِ الْحَاكِمِ وَيُعَادُ إِلَى وَضْعِهِ الْقَدِيمِ لأِنَّهُ يُرِيدُ بِالسَّدِّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ عَرْصَتِهِ وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ بِالطَّرِيقِ الَّذِي تَنْصَبُّ إِلَيْهِ الْمَيَازِيبُ وَهُوَ لاَ يَجُوزُ لأِنَّ ذَلِكَ الطَّرِيقَ إِنْ كَانَ خَاصًّا فَفِيهِ دَفْعُ الضَّرَرِ الْخَاصِّ بِمِثْلِهِ وَالضَّرَرُ لاَ يُزَالُ بِمِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ عَامًّا فَفِيهِ دَفْعُ الضَّرَرِ الْخَاصِّ بِالضَّرَرِ الْعَامِّ، وَيُتَحَمَّلُ الضَّرَرُ الْخَاصُّ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْعَامِّ، وَلاَ سَبِيلَ إِلَى رَفْعِ الْمَيَازِيبِ عَنِ الطَّرِيقِ الْخَاصِّ لأِنَّ هَا قَدِيمَةٌ وَلاَ عَنِ الطَّرِيقِ الْعَامِّ لأِنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقِ الضَّرَرُ حَيْثُ كَانَ مَسِيلُ مَاءٍ إِلَى الْعَرْصَةِ الْمَذْكُورَةِ قَدِيمًا، فَاتَّضَحَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّرِيقِ مَا يَعُمُّ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الإْطْلاَقِ .

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: مَنْ نَصَبَ مِيزَابًا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ فَلِكُلِّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مُطَالَبَتُهُ بِإِزَالَتِهِ، لأِنَّهُ مِنْ إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ، لَكِنْ لاَ يُزِيلُهُ إِلاَّ الْحَاكِمُ لاَ غَيْرُهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَوَقُّعِ الْفِتْنَةِ .

الاِخْتِلاَفُ فِي حَقِّ إِجْرَاءِ مَاءِ الْمِيزَابِ:

5 - قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا كَانَ الْمِيزَابُ مَنْصُوبًا إِلَى دَارِ رَجُلٍ وَاخْتَلَفَا فِي حَقِّ إِجْرَاءِ الْمَاءِ وَإِسَالَتِهِ فَإِنْ كَانَ فِي حَالِ عَدَمِ جَرَيَانِ الْمَاءِ لاَ يَسْتَحِقُّ إِجْرَاءَ الْمَاءِ وَإِسَالَتَهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّارِ أَيْضًا أَنْ يَقْطَعَ الْمِيزَابَ.

وَحَكَى الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: أَنَّهُمُ اسْتَحْسَنُوا أَنَّ الْمِيزَابَ إِذَا كَانَ قَدِيمًا وَكَانَ تَصْوِيبُ السَّطْحِ إِلَى دَارِهِ وَعُلِمَ أَنَّ التَّصْوِيبَ قَدِيمٌ وَلَيْسَ بِمُحْدَثٍ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ حَقَّ التَّسْيِيلِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي حَالِ جَرَيَانِ الْمَاءِ قِيلَ: الْقَوْلُ لِصَاحِبِ الْمِيزَابِ وَيَسْتَحِقُّ إِجْرَاءَ الْمَاءِ، وَقِيلَ: لاَ يَسْتَحِقُّ، فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ لَهُ حَقَّ الْمَسِيلِ وَبَيَّنُوا أَنَّهُ لِمَاءِ الْمَطَرِ مِنْ هَذَا الْمِيزَابِ فَهُوَ لِمَاءِ الْمَطَرِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسِيلَ مَاءَ الاِغْتِسَالِ وَالْوُضُوءِ فِيهِ، وَإِنْ بَيَّنُوا أَنَّهُ لِمَاءِ الاِغْتِسَالِ وَالْوُضُوءِ فَهُوَ كَذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسِيلَ مَاءَ الْمَطَرِ فِيهِ وَإِنْ قَالُوا لَهُ فِيهَا حَقُّ مَسِيلِ مَاءٍ وَلَمْ يُبَيِّنُوا لِمَاءِ الْمَطَرِ أَوْ غَيْرِهِ صَحَّ، وَالْقَوْلُ لِرَبِّ الدَّارِ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لِمَاءِ الْمَطَرِ أَوْ لِمَاءِ الْوُضُوءِ وَالْغُسَالَةِ، وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ تُقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ فِي الْمَسِيلِ، وَفِي الطَّرِيقِ تُقْبَلُ .

الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ بِمَاءِ الْمِيزَابِ

6 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ تَحْتَ مِيزَابٍ أَوْ تَحْتَ مَطَرٍ نَاوِيًا الطَّهَارَةَ وَوَصَلَ الْمَاءُ إِلَى شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ أَجْزَأَهُ عَنْ وُضُوئِهِ أَوْ غُسْلِهِ .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْمُزَنِيُّ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَكْفِي فِي الْغُسْلِ إِفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى الْجَسَدِ دُونَ الدَّلْكِ .

قَالَ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: فِي مَاءِ الْمِيزَابِ الَّذِي يَظُنُّ نَجَاسَتَهُ وَلاَ يَتَيَقَّنُ طَهَارَتَهُ وَلاَ نَجَاسَتَهُ فِيهِ قَوْلاَنِ: وَالْمُخْتَارُ الْجَزْمُ بِطَهَارَتِهِ، لأِنَّهُ إِنْ كَانَ هُنَاكَ نَجَاسَةٌ انْغَسَلَتْ .

سُقُوطُ الْمِيزَابِ وَأَثَرُهُ فِي الضَّمَانِ:

7 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَشْرَعَ فِي الطَّرِيقِ مِيزَابًا فَسَقَطَ عَلَى إِنْسَانٍ فَعَطِبَ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لأِنَّهُ مُسَبِّبٌ لِتَلَفِهِ مُتَعَدٍّ بِشَغْلِهِ هَوَاءَ الطَّرِيقِ وَهَذَا مِنْ أَسِبَابِ الضَّمَانِ .

وَفَصَّلَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ أَخَرَجَ مِيزَابًا إِلَى الطَّرِيقِ فَسَقَطَ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ يُنْظَرُ: إِنْ أَصَابَهُ الطَّرَفُ الَّذِي كَانَ فِي الْحَائِطِ لاَ ضَمَانَ فِيهِ لأِنَّهُ وَضَعَ ذَلِكَ الطَّرَفَ فِي مِلْكِهِ وَلَمْ يَكُنْ تَعَدِّيًا، وَإِنْ أَصَابَهُ الطَّرَفُ الْخَارِجُ مِنَ الْحَائِطِ ضَمِنَ صَاحِبُ الْمِيزَابِ لأِنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي ذَلِكَ حَيْثُ شَغَلَ بِهِ هَوَاءَ الطَّرِيقِ لأِنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُرَكِّبَهُ فِي الْحَائِطِ، وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلاَ يُحْرَمُ فِي الْمِيرَاثِ لأِنَّهُ لَيْسَ بِقَاتِلٍ حَقِيقَةً، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَيَّهُمَا أَصَابَهُ فَفِي الْقِيَاسِ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي الضَّمَانِ، وَفِي الاِسْتِحْسَانِ يَضْمَنُ النِّصْفَ، وَإِنْ أَصَابَهُ الطَّرَفَانِ جَمِيعًا وَعَلِمَ ذَلِكَ وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ وَهَدْرُ النِّصْفِ، وَمَنْ صَبَّ الْمَاءَ فِي مِيزَابٍ لَهُ وَتَحْتَ الْمِيزَابِ مَتَاعٌ لِغَيْرِهِ يَفْسُدُ بِهِ كَانَ ضَامِنًا اسْتِحْسَانًا .

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ سَقَطَ الْمِيزَابُ عَلَى شَيْءٍ فَأَتْلَفَهُ كَانَ مَضْمُونًا فِي الْجَدِيدِ لأِنَّهُ ارْتِفَاقٌ بِالشَّارِعِ، فَجَوَازُهُ مَشْرُوطٌ بِسَلاَمَةِ الْعَاقِبَةِ.

فَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْمِيزَابِ فِي الْجِدَارِ وَبَعْضُهُ خَارِجًا عَنْهُ فَسَقَطَ الْخَارِجُ مِنْهُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ فَأَتْلَفَ شَيْئًا فَكُلُّ الضَّمَانِ يَجِبُ لأِنَّهُ تَلِفَ بِمَا هُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ خَاصَّةً، وَإِنْ سَقَطَ كُلُّ الْمِيزَابِ دَاخِلُهُ وَخَارِجُهُ بِأَنْ قُطِعَ مِنْ أَصْلِهِ فَنِصْفُ الضَّمَانِ يَجِبُ فِي الأْصَحِّ ، لأِنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِالدَّاخِلِ فِي مِلْكِهِ وَهُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ وَبِالْخَارِجِ وَهُوَ مَضْمُونٌ فَوُزِّعَ عَلَى النَّوْعَيْنِ سَوَاءٌ أَكَانَتِ الإْصَابَةُ بِالدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ اسْتَوَيَا بِالْقَدْرِ أَمْ لاَ، وَمُقَابِلُ الأْصَحِّ يُوَزَّعُ عَلَى الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ فَيَجِبُ قِسْطُ الْخَارِجِ، وَيَكُونُ التَّوْزِيعُ بِالْوَزْنِ وَقِيلَ: بِالْمِسَاحَةِ.

وَلَوْ أَصَابَ الْمَاءُ النَّازِلُ مِنَ الْمِيزَابِ شَيْئًا فَأَتْلَفَهُ ضَمِنَ نِصْفَهَا إِنْ كَانَ بَعْضُهُ فِي الْجِدَارِ وَبَعْضُهُ خَارِجًا، وَلَوِ اتَّصَلَ مَاؤُهُ بِالأْرْضِ ثُمَّ تَلِفَ بِهِ إِنْسَانٌ قَالَ الْبَغَوِيُّ: الْقِيَاسُ التَّضْمِينُ أَيْضًا .

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ سَقَطَ مِيزَابُهُ عَلَى رَأْسِ إِنْسَانٍ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، لأِنَّهُ فَعَلَ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ، وَلأِنَّهُ لِضَرُورَةِ تَصْرِيفِ الْمِيَاهِ .

وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: مَنْ أَخْرَجَ مِيزَابًا فِي دَرْبٍ نَافِذٍ بِغَيْرِ إِذْنِ الإْمَامِ أَوْ فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهِ فَسَقَطَ عَلَى إِنْسَانٍ فَأَتْلَفَهُ ضَمِنَهُ، لأِنَّهُ تَلِفَ بِسَبَبٍ مُتَعَدٍّ بِهِ، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ الإْمَامِ بِلاَ ضَرَرٍ أَوْ بِإِذْنِ أَهْلِ غَيْرِ النَّافِذِ فَلاَ ضَمَانَ لِعَدَمِ الْعُدْوَانِ .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


مجلة الأحكام العدلية

مادة (1198) التعلي على حائط الملك

كلّ أحد له التعلي على حائط الملك وبناء ما يريد وليس لجاره منعه ما لم يكن ضرره فاحشاً.

مادة (1209) دفع المضرة

إذا أحدث شخص شبابيك في داره يمنع إشرافها على مقر نساء جاره بناء مرتفع لذلك الجار فليس له أن يقول للشخص سد الشبابيك بمجرد كون الشبابيك محدثة بل يلزم الجار أن يدفع هو مضرّته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كتاب مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان فى المعاملات الشرعية على مذهب الإمام الأعظم أبى حنيفة النعمان لمؤلفه المغفورله (محمد قدرى باشا) (الطبعة الثانية) بالمطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصرالمحمية سنة1308هجرية 1891 افرنجيه


(مادة 57)
للمالك أن يتصرف كيف شاء في خالص ملكه الذي ليس للغير حق فيه فيعلى حائطه ويبني ما يريده ما لم يكن تصرفه مضراً بالجار ضرراً فاحشاً.
(مادة 58)
إذا تعلق حق الغير بالملك فليس للمالك أن يتصرف فيه تصرفاً مضراً إلا بإذن صاحب الحق.
(مادة 59)
الضرر الفاحش ما يكون سبباً لوهن البناء أو هدمه أو يمنع الحوائج الأصلية أي المنافع المقصودة من البناء وأما ما يمنع المنافع التي ليست من الحوائج الأصلية فليس بضرر فاحش.
(مادة 60)
يزال الضرر الفاحش سواء كان قديماً أو حادثاً.
(مادة 61)
سد الضياء بالكلية على الجار يعد ضرراً فاحشاً فلا يسوغ لأحد إحداث بناء يسد به شباك بيت جاره سداً يمنع الضوء عنه وإن فعل ذلك فللجار أن يكلفه رفع البناء دفعاً للضرر عنه.
(مادة 62)
رؤية المحل الذي هو مقر للنساء يعد ضرراً فاحشاً فلا يسوغ إحداث شباك أو بناء يجعل فيه شباكاً للنظر مطلاً على محل نساء جاره وأن أحدث ذلك يؤمر برفع الضرر إما بسد الشباك أو ببناء ساتر فإن كان الشبك المحدث مرتفعاً فوق قامة الإنسان فليس للجار طلب سده.
(مادة 63)
إن كان لأحد داراً يتصرف فيها تصرفاً مشروعاً فأحدث غيره بجواره بناء مجدداً فليس للمحدث أن يتضرر من شبابيك الدار القديمة ولو كانت مطلة على مقر نسائه بل هو الذي يلزمه دفع الضرر عن نفسه.